موزمبيق.. الوجه الآخر

في قارة أفريقيا يجد المُشاهد ومنذ الوهلة الأولى اختلافاً واضحاً في أركانها، ففي الشرق الأفريقي تجد أن الوضع الجغرافي له أثر في التكوين النفسي لشعوب تلك المنطقة على عكس الجنوب الأفريقي الذي يتناقض مع الوسط والغرب الأفريقي الباحث عن نفسه، معادلة أعتقد أنني فهمتها إلى حد ما وإن كنتُ لا أجيد تبسيطها.

على هامش مؤتمر الشباب العربي الأفريقي (أفرابيا) الذي تنظمه الجامعة العربية بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي كان لي لقاء أستطيع أن أصفه بالتحليلي مع مُمثلة الاتحاد الأفريقي للشؤون الثقافية والبرلمانية السيدة أنجليين من جمهورية موزمبيق التي تجاذبت معها أطراف الحديث الذي وصفته لاحقاً بركن النزهة الفكرية.

جاء اسم موزمبيق تيمناً باسم القائد الإسلامي موسى بن بيك الذي وصل إلى تلك المنطقة بعد نجاح المسلمين في تأسيس ما يُعرف بسلطنة كيلوا الإسلامية على امتداد السواحل الشرقية للقارة الأفريقية، وظل المسلمون يحكمون موزمبيق حتى عام 1505م الذي كان بداية الاستعمار البرتغالي لتلك المناطق وتم تدمير سلطنة كيلوا الإسلامية واستمر الصراع قرنين من الزمان ونجح العرب والمسلمون بهزيمة البرتغاليين في معظم سواحل شرق أفريقيا.

إلا أن البرتغاليين تمسكوا بموزمبيق ودام احتلالهم لها أربعة قرون ونصف، وأجبروا المسلمون على تغيير أسمائهم من أسماء عربية وإسلامية إلى أسماء أخرى كشرط للالتحاق بالمدارس التي كانت تحت سيطرتهم، وفي ظل التنافس العربي البرتغالي ربحت لشبونة المعركة، وفرضت الحصار على موزمبيق حيث لا يدخلها مسلم أياً كانت صفته بشكل ساهم في إضعاف الديانة الإسلامية، وبعد الاستقلال بعشرين عاماً نجحت موزمبيق في الوصول إلى مصالحة وطنية ونظام تعددي يقود البلاد للسلام.

نجحت موزمبيق في خفض نسبة التضخم وتنفيذ برامج إصلاحية شاملة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي خاصة بعد تنازل لشبونة عن ديونها المستحقة على موباتو وموافقتها على إعادة ملكية سد كاهورا باسا الخاص بالطاقة الكهرومائية إلى موزمبيق، كما ساهم مشروع موزال المعروف بأنه أكبر منتج للألمنيوم في موزمبيق وثاني أكبر منتج في أفريقيا في رفع مستوى الاقتصاد المحلي، ويعتبر هذا المشروع أكبر استثمار خاص في البلاد وأول استثمار أجنبي مباشر يهدف إلى إعادة بناء موزمبيق.

خليجياً، في خطوة تدعم الاستراتيجية الخليجية في أفريقيا افتتحت غرفة تجارة وصناعة دبي مكتبًا تمثيلياً لها في العاصمة مابوتو ليشكل نافذةً للشركات الإماراتية الراغبة في التوسع في القارة الأفريقية، ووصل عدد الشركات الموزمبيقية العاملة تسعة وعشرين شركة مُسجلة بالغرفة، وتحتاج موباتو اليوم إلى خبرة دولة الإمارات في مجال الأحواض الجافة ومشاريع توليد الطاقة.

خاصة أن موزمبيق تعاني شحاً في إنتاج الطاقة، ومن جانب آخر نجحت دول الخليج العربي الأخرى في الإستحواذ على حصة بثلاث مناطق تنقيب بحرية في موزمبيق وبالتحديد في حوض أنغوشي وزامبيزي، وتشييد قرية لوجستيات وفرت لعملائها إمدادات مستمرة من الطاقة والاتصال بالإنترنت وخدمات الأمن السيبراني، وهذا جعلها منصة آمنة وموثوقة يمكن للشركات من خلالها أن تدير أعمالها بكفاءة.

وحول أهم التحديات التي تواجه موزمبيق، فإنه بالرغم من التوقعات الإيجابية بارتفاع معدلات النمو في موزمبيق إلى نسبة 8 % حتى عام 2020 وتضاعف الاستثمارات في قطاع الصناعات الاستخراجية إلا أن هناك مؤشرات تشير إلى أن هذه الدولة تواجه عقبات منها: تدني معدلات النمو عند الشركاء التجاريين، وتباطؤ في معدلات الاستثمار المُرتبطة بمشاريع الموارد الطبيعية الكبرى.

كما أن هناك شركات عالمية تعمل في مجال الغاز الطبيعي بدأت تكثف إجراءاتها الأمنية بسبب ارتفاع جرائم القتل غير المفهومة والتي بدأت تظهر بالقرب من منطقة بالما الاستراتيجية خاصة أن ذات الشركات تعتزم تطوير حقل بحري سيبدأ إنتاجه في 2024م.

التحدي الآخر هو وضع المسلمين، فهم ما زالوا محاصرين بنوع من التخلف الاجتماعي والاقتصادي بسبب غياب التعليم الذي فرضه عليهم المستعمر البرتغالي حتى لا يتحولوا إلى لاعبين في السياسة الداخلية للبلاد، ومن الجدير بالذكر أن المستعمر البرتغالي كان يحرص على تطبيق سياسة أن يكون في الأسرة الواحدة أكثر من دين فعلى سبيل المثال رئيس البرلمان الموزمبيقي السابق مولومبوية والده مسلم وشقيق رئيس الجمهورية السابق أرماندو جييوزا يعتنق الإسلام خلافاً لأخيه.

وتعمل بعض المنظمات العالمية على إضعاف الإسلام في موزمبيق مُستغلِّين غياب المنظمات الإغاثية الإسلامية لبُعدِ المسافة بين العالم الإسلامي وموزمبيق، وحتى المؤسسات الإغاثية الإسلامية فأنشطتها محدودة ولا تتواءم مع طبيعة واقع المسلمين الحقيقي هناك، وهنا لا بد من مُضاعفة جهود البنك الإسلامي للتنمية ومنظمة العالم الإسلامي التي تُعتبر موزمبيق عضواً فيها وتأسيس جامعات ومؤسسات تربوية أكاديمية تحت إشراف الأزهر الشريف.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات