صدارة الفضاء

التقرير الصادر عن مركز دبي التكنولوجي لريادة الأعمال يشير إلى أن الإمارات تبوأت الصدارة إقليمياً من حيث تبني حلول الذكاء الاصطناعي في الشركات والمؤسسات، وذلك بمعدل نمو سنوي يبلغ 33.5 في المئة. وتلت السعودية الإمارات بنسبة 31.5 في المئة، ثم بقية دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 28.8 في المئة، ثم مصر بنسبة 25.5 في المئة.

هذه النسب المئوية تعكس نجاحاً هائلاً في سياسة تعزيز ودعم الذكاء الاصطناعي الذي هو المستقبل القريب جداً الذي بدأ الآن. هذا النجاح بدوره يعني أن من توافرت لديهم الإرادة السياسية واتخذوا قرارات حقيقية ومدروسة وسريعة في الوقت نفسه لهذا التوجه يتمتعون برؤى ثاقبة قادرة على استشراف المستقبل وترجيح كفة المصلحة العامة للشعوب. ففي إمكان حكام اليوم أن يتجاهلوا احتياجات الغد على أن يتكفل حكام الغد بها.

لكن الغد الذي تظهر بوادره اليوم يتجلى في أخبار شبه يومية تشير إلى أن الاستثمار الأمثل والتصرف الأذكى والتوجه الأجدى يصب في خانة الذكاء الاصطناعي وما يحويه من معرفة ومعلومات وفتح مجالات وآفاق ما كان لها أن توجد على كل الصعد العسكرية والصناعية والاقتصادية والتقنية والطبية والتعليمية والمعيشية. ببساطة تبني منهج الذكاء الاصطناعي اليوم يعني أننا أمام محرك حقيقي لنمو وازدهار الدول والشعوب.

دول المنطقة العربية تتفاوت تفاوتاً كبيراً فيما بينها فيما يتعلق بالثورة الصناعية الرابعة وما تحمله في طياتها من إمكانات وتطبيقات ذكية. ولعل مصر والإمارات هما الدولتان العربيتان اللتان تنبهتا مبكراً إلى المستقبل المتغير. تقرير حديث صادر عن «برايس ووتر كوبر» توقع أنه بقدوم عام 2030، ستساهم التكنولوجيا المتطورة والحديثة بنحو 7.7 في المئة في إجمالي الناتج المحلي في مصر، ونحو 14 في المئة في الإمارات. وتوقع التقرير أن تكون الإمارات هي الدولة الأسرع نمواً في المنطقة بفضل تبنيها منهج الذكاء الاصطناعي.

مستشفيات دبي التي بدأت في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي للتعرف إلى الأمراض التي قد تصيب المريض في المستقبل، وخدماتها الإسعافية التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والمتصلة بالمستشفيات لتمكن المسعفين من إنقاذ حياة المرضى ومصابي حوادث الطرق وتقييم الحالة ووضع تصور علاجي لها قبل وصولها المستشفى، وشرطتها التي تدرس استخدامات الذكاء الاصطناعي لمجابهة تهريب السيارات، وتصدر دبي المركز الأول عالمياً في ثلاثة مؤشرات تقنية هي مستخدمي الإنترنت وحيازة اللوح الرقمية والعمالة والتقنية (بحسب تقرير تنافسية دبي لعام 2018)، وغيرها من أخبار تقنية طالعتنا بها الصحف الأيام القليلة الماضية لا تعني إلا أن المستقبل قد بدأ.

البداية المبشرة مصحوبة برؤية طموحة، حيث يتوقع مع حلول عام 2030 أن تكون ربع المباني المشيّدة استخدمت تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، وواحدة بين كل أربع سيارات ستكون ذاتية القيادة.

الإمكانات الهائلة والفرص اللامحدودة التي يمنحها الذكاء الاصطناعي تعني أن مجال الاستثمار فيه مفتوح على مصراعيه. ويعني أيضاً أن البناء على ما تم إنجازه في السنوات القليلة الماضية لمن تنبه لهيمنته، وللتحول الجريء نحوه في المجالين الحكومي والقطاع الخاص، لدعم وتشجيع الابتكارات والمشروعات الجديدة الصغيرة المتصلة به لن تكتمل إلا برؤى عربية تشاركية. وإذا كانت عقود طويلة قد أهدرت في الماضي بعيداً عن العمل المشترك الحقيقي، فإن الذكاء الاصطناعي ومجالاته العملية والعلمية تعاود طرح الفرصة الذهبية.

ربما لا تتمتع مصر بقدر كبير من الثروات يتيح لها فرصة الاستثمار المادي في الذكاء الاصطناعي، وربما يكون اقتصادها مازال في مرحلة التعافي بعد سبع سنوات عجاف قلبت الأوضاع رأساً على عقب. لكن موارد مصر البشرية وإمكاناتها البحثية والابتكارية يمكنها أن تتكامل مع قريناتها في دول أخرى مثل الإمارات والسعودية لتصبح الفائدة أعم والاستفادة أشمل.

شمولية التعاون والتشارك والتكامل بين الدول العربية فيما يتعلق بالثورة الصناعية الرابعة باتت حتمية. ولتكن نقطة البداية جامعة للدول التي أدركت حتمية اختراق مجالات الذكاء الاصطناعي والتجهيز لها لتعظيم الاستفادة بها، وذلك بدلاً من التأثر بها سلباً والتفاجؤ بقدرتها على إحلال وظائف وإلغاء أخرى وإحداث نقلات نوعية لمجالات عدة في الاقتصاد والقضاء على مجالات أخرى برمتها.

وبدلاً من أن تسمم أبداننا أذرع إعلامية مهمتها التبكيت وغرضها التحقير وغايتها التدمير وتصدع رؤوسنا بكيف تتقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في العالم الغربي الذي يسعى لأن يصبح أكثر ذكاء، بينما تتخلف الدول العربية لتمعن في أن تكون أكثر حماقة، لم لا تبادر الدول العربية التي قطعت شوطاً على طريق المستقبل وأخرى لديها من الموارد والكوادر والقدرات ما يؤهلها لتقطع شوطاً مماثلاً. ولو اجتمع الشوطان، عظمت الفائدة.

وليس خفياً على أحد أن الصراع الدولي الأهم الدائر حالياً هو صراع رقمي من أجل الهيمنة الرقمية والتقنية. وما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن «الدولة التي سيكون لها الصدارة في الفضاء ستقود العالم» صحيح جداً.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات