أميركا المنسحبة.. إلى أين تمضي؟!

تراجعت أو تلاشت آمال بعض من فوجئوا بقرار الرئيس ترامب الانسحاب العاجل من سوريا، في أن يتكرر ما حدث قبل أكثر من نصف عام حين فعل ترامب نفس الشيء ثم عاد عنه بعد أيام.استقالة وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس وضعت حداً لذلك، جاءت الاستقالة لتؤكد أن المؤسسة العسكرية الأميركية لم تنجح هذه المرة في إعادة الأمور لنصابها.

كان على رأس هؤلاء الجنرالات الثلاثة الذين تولوا المناصب الرئيسية وكان ترامب نفسه يعلن اعتزازه بهم ويسميهم «جنرالاتي»!! كان من بين هؤلاء هربرت مكماستر مستشار الأمن القومي، وجون كيلي الذي رأس موظفي البيت الأبيض وأعاد النظام له، ثم جيمس ماتيس وزير الدفاع الذي هيمن على الأمور العسكرية بشخصيته القوية وخبرته العسكرية الواسعة.

تحمل الجنرالات الثلاثة العبء في فترة صعبة، إلى أن وصلت الأمور إلى مفترق طرق، كان هربرت مكماستر هو أول الراحلين، ثم كان الدور على جون كيلي وبقى ماتيس.. ولكن إلى حين، ففي منتصف أكتوبر الماضي أشار ترامب إلى احتمال مغادرة وزير دفاعه بصورة بدت وكأنه يدفعه للاستقالة مدركاً أنه لا يستطيع أن يكرر معه الأسلوب الذي أقال به وزير الخارجية السابق تيلرسون.. لأن الأمر هنا يتعلق بأوضاع استراتيجية ورجل يحظى بثقة القيادات العسكرية، وأيضا بثقة واحترام القيادات في الكونغرس، وأيضا بثقة الحزبين التي لم تقتصر على الجمهوريين فقط بل امتدت للديمقراطيين.

من هنا تكتسب استقالة ماتيس أهميتها، فالرجل عسكري محترف وخبير، وكان يمارس عمله باعتباره تكليفاً بمهمة وطنية، ولذلك تحمل الكثير من الضغوط أملاً في أن تسود في النهاية ما كان يعتبره ثوابت في العقيدة الأميركية، ولكن قرار الانسحاب من سوريا جاء ضربة لكل هذه الآمال.

بين إعلان الرئيس الأميركي ترامب عن مغادرة ماتيس لمنصبه، ونص الاستقالة التي قدمها ماتيس يبدو جوهر الخلاف الخطير بين منهجين ما كان لهما أن يتفقا!!

بينما وزير الدفاع المستقيل يتحدث عن إيمانه بضرورة معاملة الحلفاء باحترام، وأهمية استخدام القوة الأميركية لتوفير الدفاع المشترك، قائلاً لترامب إن له الحق في أن يكون له وزير دفاع تتسق آراؤه أكثر مع آراء الرئيس.

رؤيتان مختلفتان تمام الاختلاف، رؤية تدرك أن نفوذ القوة العظمى يأتي مع تحمل المسؤولية، التي يفرضها التصدي للقيادة والنجاح في بناء التحالفات القوية وشبكات التعاون الدولية، التي تزداد صلابة بالوفاء بالتعهدات، ومعاملة كل الحلفاء باحترام كامل.

ورؤية أخرى تتصور أنها قادرة بمفردها على مواجهة كل التحديات وأن كل ما عليها أن تحشد القوة، وأن تقيم الأسوار حول حدودها، وتبقى نقطة مركزية أخرى هنا..

الأمر هنا لا يتعلق بالأوضاع في سوريا فقط، رغم خطورتها، ولكن يتعلق بمجمل السياسة الأميركية، وبكيفية إدارة الصراعات العالمية، وكيفية بناء التحالفات لمواجهة المخاطر التي تهدد البشرية كلها، سواء من قوى الإرهاب أو من قيادات التطرف أو الدول الخارجة على القانون.

القرار بالنسبة لسوريا يبدو مربكاً للجميع وتصريحات الرئيس ترامب حوله تزيد الأمور غموضاً وارتباكاً، ما بين التأكيد على أن داعش قد انهزمت وانتهت، وبين الحديث عن أن أميركا تركت مهمة قتال الإرهاب هناك للآخرين. تبدو الحقيقة غائبة أو مغيبة.

وما بين الحديث عن «إننا لن نكون شرطي الشرق الأوسط بلا مقابل»، كما قال الرئيس الأميركي، والحديث الآخر عن إنشاء قيادة عسكرية أميركية في الفضاء الخارجي.

يقول ترامب إن روسيا وحلفاءها ليسوا سعداء، كما يزعمون، بقرار الانسحاب الأميركي لأنهم سيضطرون لمحاربة داعش التي أعلن هو أنها انهزمت وانتهت!!.. الحقيقة أن داعش مازالت باقية لأن من زرعوها في الأرض العربية حريصون على بقائها لخدمة أهدافهم. وسوريا التي كان الأمل في خروجها من محنتها يتزايد، تتوجه نحو المجهول مرة أخرى. لكن هذا كله هو الجزء المباشر من القصة. والباقي أخطر بكثير!!

لم يطلب أحد «باستثناء إسرائيل» أن تكون أميركا هي شرطي الشرق الأوسط بمقابل أو بغير مقابل، أميركا هي التي قاتلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لكي تتواجد في المنطقة، لكي تحقق أهدافها الاستراتيجية في أن تكون القوة الأعظم، ولكي تدافع عن مصالحها وتبني زعامتها.

ما فعلته أميركا في الشرق الأوسط، كان جزءاً من سياسة عامة شملت العالم كله.. الآن تسير أميركا في طريق آخر لا يبدو واضحاً.

يتأكد الآن ما قلناه مراراً، القوة الذاتية وحدها هي التي تمكننا من حماية أمننا واستقرارنا. لولاها لما أسقطت مصر حكم الإخوان الفاشي المدعوم من الإدارة الأميركية يومها، ومن تركيا وإيران، ومن كل عصابات الإرهاب التي تدعي الإسلام، ولولاها لما تم التصدي للاختراق الإيراني في اليمن الشقيق.

لا نقول ذلك وحدنا، أوروبا تسير في نفس الطريق، التطورات الأخيرة تدعم مشروع ماكرون وميركل لإنشاء قوة عسكرية أوروبية مستقلة عن حلف «الناتو». يدرك الأوروبيون الآن أنها لم تكن «نزوة» حين قال الرئيس الفرنسي ماكرون إن القوة العسكرية الأوروبية لابد أن تنشأ لمواجهة الخطر المقبل من روسيا والصين.. وأميركا!

ربما يكون ترامب سعيداً بأنه قد اكتسب أياماً ثمينة يتراجع فيها الحديث عن التحقيقات في التدخل الروسي لمساعدته في الوصول للرئاسة وفي احتمالات مساءلته أو عزله.. لكن المؤكد أنه سيواجه بعد ذلك ما هو أصعب، حين يكون السؤال في أميركا وخارجها هو: كيف يمكن أن تكون «أميركا هي الأعظم» كما يؤكد ترامب، وهي تعيش كل هذا الاضطراب؟!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات