الشعبوية أعلى مراحل الديمقراطية

المفكرون المحدثون من أهل اليسار والليبراليين، مفتونون بالمابعديات، فكل الظواهر الكبرى التي أسست للعالم الحديث في نظرهم، قد انتهت، فيما العالم قد دخل في مرحلة تالية لها، يسمونها «ما بعد»، فهناك ما بعد الحداثة، وما بعد المجتمع الصناعي، وما بعد الحرب الباردة، وما بعد القومية.

أصحاب هذه المصطلحات، لا يبذلون جهداً كافياً لكي يشرحوا لنا طبيعة الظواهر المستجدة، التي تأتي في مرحلة المابعديات، إذ يكفيهم القول بأن المجتمع القديم، انتهى، بغض النظر عن الصورة الدقيقة للمجتمع الذي يحل محله.

يزعم مفكرو المابعديات، أنهم لا يخترعون شيئاً من عندهم، وإنما فقط يلاحظون ما يجري في المجتمع، ويقدمون وصفاً له، مع أن حقيقة الأمر غير ذلك. فمفكرو المابعديات لا يكتفون بملاحظة الظاهر من أعراض تجاوز الحداثة، مثلاً، لكنهم يروجون للتجاوز التام للحداثة، باعتباره الأمر الطبيعي والسليم، ويسمون بالرجعية كل رأي يقول بأن ظواهر رئيسة كبرى، مثل الحداثة والقومية، ما زالت قائمة، وأنها ربما غيرت شكلها، أو طرائق التعبير عنها، لكنها ما زالت موجودة ومفيدة وضرورية لسلامة النظام الاجتماعي والسياسي.

جرياً على تقاليد المابعديين، التي لا أحبها، لكني فقط أود أن أجرب اللعب وفقاً لقواعدهم، فإنني أقترح أن أزمة الحكم التي نشهدها في فرنسا وبلاد أوروبية أخرى، تمثل نهاية للديمقراطية، وإعلان عن دخول أوروبا الديمقراطية في مرحلة ما بعد الديمقراطية، وأزيد على ذلك بالقول، إن الشعبوية هي الظاهرة التي ترث الديمقراطية وتأتي بعدها.

بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الشيوعية، كتب المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما، أننا قد وصلنا إلى نهاية التاريخ، لأنه لم يعد في عالمنا مكان للصراع الإيديولوجي، بعد أن حققت الليبرالية انتصاراً كاملاً ونهائياً على الإيديولوجيات المنافسة لها. تطورات السنوات التالية، بينت أن الديمقراطية الليبرالية لم تحقق انتصاراً ساحقاً في أركان العالم المختلفة، وأنها تواجه مقاومة حقيقية في مناطق عدة.

الأكثر من ذلك، هو أن التطورات الأحدث، تشير إلى أن الديمقراطية الليبرالية، تواجه صعوبات حقيقية في عقر دارها ومسقط رأسها في القارة الأوربية، وما ثورة السترات الصفراء، ومن قبلها صعود الأحزاب المتطرفة قومياً في كل بلاد أوروبا تقريباً، سوى علامات على هذه الأزمة.

لو أن المعلم الأول أرسطو كان يعيش بيننا اليوم، لما أدهشته أحداث فرنسا والإرهاصات التي سبقتها في بلاد أوروبية أخرى. فأرسطو، ومن قبله أفلاطون، كانت لديهم شكوك عميقة في النظام الديمقراطي، وهي الشكوك التي تأسست على شكهم في قدرة العوام محدودي المعرفة، وهم الأغلبية من الناس، على إصدار الأحكام الصائبة، التي تمكنهم من ممارسة السلطة، متجردين من الأهواء.

فطبقاً لما رأوه يحدث في أثينا، أهم تجربة للحكم الديمقراطي في العالم القديم، قال فلاسفة اليونان العظام إن مصير الحكم الديمقراطي، هو الانحلال إلى حكم دكتاتور ديماجوجي، يتلاعب بمشاعر العوام وغرائزهم، ليطبق باسم الشعب حكماً فردياً دكتاتورياً.

لقد صدقت توقعات فلاسفة اليونان العظام، كما تدلنا تجارب عديدة، أشهرها ألمانيا النازية. ففي أعقاب هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، نجحت ثورة الجنود والعمال والطبقة الوسطى في تأسيس نظام ديمقراطي، عرف باسم جمهورية فايمار، نسبة إلى المدينة التي تم فيها التوافق على دستور النظام الديمقراطي الجديد.

كان ذلك في عام 1919، ولكن بحلول عام 1933، كانت جمهورية فايمار قد سقطت في يد الدكتاتور الديماجوجي أدولف هتلر، الذي قاد ألمانيا والعالم إلى كارثة الحرب العالمية الثانية، وهو ما مثل تحققاً حرفياً لنبوءة الآباء المؤسسين للفكر السياسي في بلاد اليونان القديمة.

أظن أن أوروبا باتت محصنة ضد الدكتاتورية، أو على الأقل، فإنها محصنة ضد الأشكال الأكثر فجاجة منها. لكن أوروبا لا تبدو محصنة ضد الشعبوبة. الشعبوية ليست يمينية أو يسارية، ولكنها طريقة في التفكير، ونظرة للمجتمع والسياسة، يمكن لها أن تجد تطبيقات من اليسار أو اليمين. الشعبوية بكل طبعاتها اليمينية واليسارية، تشكك في المؤسسات والسلطة، وتزعم أن جماعات معينة نجحت في السيطرة عليها، واحتكرتها لصالحها.

وبالتالي، فإن الشعبويين يحتقرون العمل من خلال المؤسسات السياسية، ويفضلون عليه العمل السياسي المباشر. سياسات الشارع بدلاً من سياسات المؤسسات، هذا هو الملمح الأهم في الشعوبية، وهذا هو ما نشاهده في فرنسا هذه الأيام.

ليس لدى الشعبويين موقف واضح يرفض العنف، بل إن بعضهم يحمل كراهية شديدة للبوليس والجيش وأجهزة الأمن، ويصر على إهانتهم والاعتداء عليهم، حسب استطاعته. بعض الشعبويين الآخرين، يرى في رموز الدولة الفنية والمعمارية، علامات للاستغلال والقهر، يجب تدميرها وإزالتها، قوس النصر نموذجاً.

الشعبويون من اليسار واليمين، يتفقون على كراهية مؤسسات الدولة، في نفس الوقت الذي يكره كل منهم الطرف الآخر، بما يؤشر إلى دخول الديمقراطيات الليبرالية في أوروبا، في مرحلة استقطاب إيديولوجي عميق، مصحوب بصدامات في الشارع، تتسم بالفوضى والعنف، وهذا هو ما قصدته بما بعد الديمقراطية، وبالشعبوية التي هي أعلى مراحل الديمقراطية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات