مخرجات مهمة في عام التسامح

دولة الإمارات دولة التسامح والسلام، وهي بيئة جاذبة وواحة مزهرة يتفيأ ظلالها أكثر من مائتي جنسية، توافدوا من شتى بلدان العالم، متنوعين في أعراقهم وأديانهم وثقافاتهم وآرائهم، يعيشون جميعاً في أمن واستقرار وتعايش سلمي، دون أن يعتدي طرف على آخر، في ظل منظومة راقية من القوانين والقيم والمبادرات الإماراتية التي تغرس ثقافة التسامح بين الجميع.

إن اهتمام دولة الإمارات بالتسامح اهتمام أصيل ممتد إلى عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي أسس دولة الإمارات على القيم الراقية لتكون واحة سلام وأمان، وتنوعت جهود دولة الإمارات في تعزيز التسامح، وشملت مبادرات محلية وعالمية، وإطلاق وزارة ومشاريع، لتُتوَّج هذه الجهود بإعلان القيادة الحكيمة عام 2019 عاماً للتسامح، ما يعكس الاهتمام الإماراتي الكبير بهذه القيمة الإنسانية المهمة.

إن مبادرة عام التسامح مبادرة متميزة لها أهميتها الكبيرة، ولها أثرها العميم في ترسيخ دعائم الأمن والاستقرار والتعايش في المجتمع، وحفظ الضرورات الكبرى فيه، بما يمكِّن الجميع من أن يعيشوا بسلام وأمان دون أن يعتدي أحد منهم على الآخر مهما اختلفوا في آرائهم ومذاهبهم، وهذا مطلب شرعي ووطني لا غنى عنه.

كما أن هذه المبادرة من شأنها تعزيز مكانة دولة الإمارات عالمياً لتكون منارة مشرقة تشع منها قيمها الحضارية المستمدة من التعاليم الإسلامية السمحة والعادات العربية النبيلة وإرث زايد الخير القائم على التزام مكارم الأخلاق في التعامل مع الناس أجمعين.

إن ترسيخ التسامح ضرورة كبرى في واقع الدول والمجتمعات، خاصة في هذا العصر، فمن المتقرر واقعاً أنه ما من دولة إلا ويعيش على أرضها أناس من ديانات وطوائف ومذاهب عدة، فكيف يعيش هؤلاء جميعاً معاً في سلام دون تصادم وتصارع؟

من الوسائل المهمة لتحقيق ذلك تعزيز التسامح بينهم، وضبط علاقاتهم بضابط التعامل الحسن، لئلا يستغل العدو هذا التنوع، ويعتبره ثغرة لتمرير أجنداته، ويحاول استغلال أي طائفة لصالح ما يريد، ويشحنها عاطفياً بدعوى أنها مُهانة ومظلومة، محاولاً بذلك صنع مشاريع اختراق لهدم الدول، وإحداث الفتن فيها، وتكريس روح الطائفية والتعصب بين طوائفها، ودفع كل طرف للعدوان على الآخر، مما يؤدي إلى هدم استقرار هذه المجتمعات وفتح أبواب الصراعات فيها.

والناظر اليوم في بعض المجتمعات وما تعيشه من صراعات وحروب ومآس إنسانية يدرك تماماً ضرورة تعزيز ثقافة التسامح التي تجمع أبناء المجتمع الواحد على مائدة الأخلاق الكريمة، وتنزع فتيل الصراعات منهم، وتعزز السلام والاستقرار بينهم، ولا يخفى على أحد ما واجهته مجتمعاتنا في الآونة الأخيرة من أخطار كثيرة استهدفت أمنها واستقرارها، كالإرهاب والتطرف والعنف والطائفية وغيرها.

وما صاحب ذلك من استغلال المتطرفين للفضاء الإلكتروني لغزو العقول وتدميرها، ما تطلب وضع خطط استباقية لصد هذه الأخطار، وقد تميزت دولة الإمارات باليقظة والرؤية المستنيرة، وكانت سباقة لمواجهة هذه التحديات بترسيخ قيم التسامح والاعتدال ومكافحة الإرهاب والتطرف.

وإذا تبين لنا ذلك فقد يتساءل البعض: ما هو التسامح؟ هل هو مداهنة الآخر في آرائه ومعتقداته مهما كانت مجانبة للحق والصواب؟ هل هو إلغاء مبدأ الصواب والخطأ؟ هل هو إلغاء صوت العقل والعلم وسد أبواب النقد والتصحيح؟ إن التسامح ليس كذلك، فهو لا يعني إنكار حق، أو إقرار باطل، أو تمرير آراء خاطئة أو أجندات مشبوهة.

بل هو مبدأ سلوكي قائم على معاملة الآخر بالأخلاق الحسنة بحيث لا يتجاوز الخلاف الخطوط الحمراء، ولا يعتدي طرف على آخر، بما يحفظ أمن الدولة واستقرارها، ويعطي كل ذي حق حقه، ونصوص الكتاب والسنة زاخرة بالحث على مكارم الأخلاق في التعامل مع الناس والتواصل الإيجابي معهم وتغليب العفو والصفح والتجاوز والسماحة في المعاملة والتحاور بالحسنى وعدم الاعتداء على الآخرين.

وللتسامح صور عدة وميادين شتى؛ سواء على مستوى الأفراد أو الأسر أو المجتمعات أو الدول، فهو صمام أمان لتجاوز الخلافات الشخصية بين الأفراد، وإعادة الأحبال المقطوعة بين الأقارب والأسر والأرحام والجيران، وتوطيد التواصل الإيجابي بين المجتمعات والشعوب.

ويأتي عام التسامح فرصة للتذكير بهذه القيمة الكبرى، ليسعى كل فرد منا إلى الارتقاء بنفسه في تعامله مع الآخرين، مقتدياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، الذي امتدحه الله تعالى بقوله: {وإنك لعلى خلق عظيم}.

وترسيخ التسامح مسؤولية مشتركة، يشترك فيها العلماء والمثقفون والإعلاميون وكافة شرائح المجتمع، ويقع على عاتق حملة الخطاب الديني واجب كبير في ترسيخ التسامح، وتعزيز مخرجاته الشرعية الكثيرة، كترسيخ حفظ الضروريات الكبرى، وتقرير حرمة الدماء والأعراض والأموال، ونشر الأخلاق السمحة، والتصدي للظواهر السلبية التي تضاد ذلك من غلو وتطرف وإرهاب وطائفية وعنف وغير ذلك، مستنيرين في ذلك بأنوار الكتاب والسنة التي جاءت رحمة للعالمين.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات