نشطاء من هنا لا من هناك

أن تكون ناشطاً، فهذا شيء عظيم. وأن تدافع عن الحقوق وتدعم الحريات، فهذا فكر رائع. وأن ترفع راية حقوق المقموعين والمقهورين والمظلومين، فهذا عمل جليل. لكن أن تعتبر نفسك وحدك الأرقى والأفخم والأفضل لأنك ناشط، فهذا مرفوض. وأن ترى نفسك محصناً من الانتقاد ومنزهاً عن الاعتراض، فأنت حتماً مخطئ.

الخطأ الذي وقع فيه كثيرون في المنطقة العربية في السنوات القليلة الماضية هو اعتبار النشاط العنكبوتي مهنة، والتنظير السيبراني حرفة.

ولأن أحداث ما يسمى بـ«الربيع العربي» على مدار السنوات السبع الماضية دفعت بالعشرات من النشطاء إلى صدارة الاهتمام وباتوا شخصيات تلهث وراءها الجامعات والمؤسسات والجمعيات الغربية، بل وأحياناً يتم استقبالهم في مواقع ومقار رسمية على أرفع مستوى، فقد صار البعض يحلم بأن يكون ناشطاً.

وتطور عمل الناشط من مهمة سامية وتبرع راقٍ بالوقت والجهد من أجل الدفاع عن قضايا وحقوق مهدورة، إلى منصة صدامية يكسب بها بعض النشطاء شهرة وحوافز.

فكم من ناشط نجح في الحصول على منحة لدراسة الماجستير والدكتوراه، أو تلقى عروض عمل في مؤسسات وجمعيات مهمتها إصدار بيانات الشجب وتقارير التنديد الخاصة بالأوضاع الحقوقية في دول دون أخرى.

وأخبار العالم من حولنا هذه الآونة عامرة بأسماء نشطاء من العرب يتم التعامل معهم باعتبارهم أيقونات للإنسانية ورموزاً للحقوقية. المؤكد أن التاريخ حافل بنماذج ممن وهبوا جهدهم ووقتهم للدفاع عن قضايا غيرهم.

والمؤكد أيضاً أن بين النشطاء العرب من لم يبتغي كسباً أو تدفعه مصلحة شخصية أو يضعف أمام إغراءات مادية، إلا أن الساحة هذه الأيام عامرة بعدد من النشطاء من الجنسين ممن تبنتهم دول أخرى غير دولهم وصنعت منهم نجوماً وأدوات تضغط بها على الدول التي أتوا منها.

فهذا طبيب ناشط بات صاحب عمود أسبوعي ثابت في موقع إخباري غربي، وهذا محامي ناشط أصبح ضيفاً دواراً على حلقات النقاش ومحاضرات السياسات الشرق الأوسطية باعتباره متحدثاً باسم حقوق المنطقة المهدورة، وهذا إعلامي ناشط ترك عمله في الإعلام الذي يدر راتباً ثابتاً وفضل عليه العمل الحقوقي بالقطعة، والقائمة طويلة جداً.

ودون الدخول في نوايا البشر والتحقيق فيما تضمره النفوس وما تبتغيه الأفئدة، فإن الملاحظ أن أغلب أولئك تتم الاستعانة بهم كمصادر صحافية وبحثية وأكاديمية للتنظير والتحليل والتعليل فيما يختص بالمنطقة العربية.

ولسبب ما أصبح إعلاميون وأكاديميون وباحثون في بلاد غربية يتعاملون مع قائمة محددة من النشطاء العرب وكأنها قائمة المتحدثين باسم الشعوب العربية. ولمجرد إنهم يسبون ويلعنون في الأنظمة القائمة، ويصبون جام الغضب على كل من نجح في الوصول إلى بر الاستقرار، ويصفون كل من خالفهم الرأي أو عارضهم في التوجه بأنه «خانع» أو «جبان» أو «انهزامي»، فقد تحولوا إلى مرجعيات يعتد بها على الجانب الآخر من العالم.

العالم الذي لا يمنح لقب «ناشط» إلا لمن يقدم فروض الولاء والطاعة عبر كتابات ولقاءات وحوارات لا تدين إلا بلاده، هو نفسه الذي يجعل الانضمام لفئة الناشطين المعتمدة لديه قاصرة على جنسيات دون غيرها وبلاد وليس كلها.

جانب مما أطالعه في أذرع إعلامية إقليمية بعينها وأخرى دولية كانت معروفة بمهنيتها حتى سنوات قليلة مضت يدق على أوتار نشطاء دول أبرزها مصر والإمارات والسعودية والبحرين. يبدو أولئك النشطاء وكأنهم محور الحياة في هذه الدول، ويتم التعامل معهم وكأنهم رموز وطنية وأيقونات نضالية لملايين من العرب، رغم أن هذه الملايين لم تسمع عنهم أصلاً.

وإذا كان الأصل في النشاط الحقوقي والسياسي هو أن يكون معبراً عن معاناة من لا صوت لهم، أو عاكساً لحقوق من لا حقوق لهم، أو معبراً عن طموح من أعيتهم الحياة، فكيف لهذه الأسماء أن تتحدث باسم من لا يعرفهم أو يوكلهم؟!

الحديث عن حرفة النشطاء لا يعني بأي حال من الأحوال أن الأوضاع العربية على ما يرام، أو أن الشعوب المعنية تعيش أحلى أيامها، أو أن المشكلات والضغوط والمظالم قد تم حلها ولم يتبق سوى تحقيق الأحلام.

لكن مثلما خرجت شعوب ثائرة على المظالم والمفاسد قبل سنوات، ومثلما وثقت في شخصيات ورموز اعتقدت إنها تتحدث باسمها وتدافع عن حقوقها، تقف هذه الشعوب نفسها اليوم موقف المتفرج المتعجب ممن يتحدثون باسمها في دوائر حقوقية وسياسية وإعلامية وأكاديمية غربية وأخرى إقليمية.

سألني طالب إعلام قبل أيام سؤالاً وجيهاً. فبعد نقاش حول إطلاق سراح ناشط مصري، ومعاودة ظهور ناشطة يمنية لتدلو بدلوها في «اتفاق السويد» في شأن اليمن، وتداول أخبار عن نشطاء هنا وهناك، «ألا يوجد نشطاء من قطر أو تركيا على الساحة؟!»، وكان الرد إنهم على الأغلب موجودون، لكن العالم ليس في حاجة إليهم هذه الآونة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات