بنـين.. الفجـر الجديـد

«نحن أُناس ننتمي إلى عرقية الفون، نتميز عن باقي العرقيات بكثرة ولادة نسائنا لتوائم، فإذا مات التوأم، وهذا غالباً ما يحدث، نقوم بصنع دمى للتوائم المتوفين، لأننا نؤمن بأن أرواحهم تسكن تلك الدمى، التي لا بد من رعايتها والاهتمام بها، حتى لا تصب لعنتها على الأسرة بكاملها».

بهذه الكلمات، أزال الدليل الأفريقي عن ذهني ذلك التساؤل الذي قرأه في عيني أثناء تجولي في منطقة أبومي، في وسط جمهورية بنين، ورأيت أغلب السكان يحملون دمى خشبية، تشبه تلك الدمى التي يلهو بها الأطفال.

من المصادفات الرائعة التي غالباً ما تحدث لي، هي شهادتي الميدانية لأحداث مفصلية حدثت في القارة الأفريقية، وتصادف وجودي في ذات الدولة، التي شهدت تلك المنعطفات التي كان لها دور في تغيير سياستها الداخلية والخارجية، فلقد شهدتُ انفصال جمهورية جنوب السودان عن شمالها عام 2011، وشهدت مقتل القيادي خليل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة في ذات العام.

وفي عام 2013، شهدت حالة السكون الحذر بعد المجازر الأهلية التي حدثت في أفريقيا الوسطى، وفي عام 2016، كنت في جمهورية بنين، التي شهدت تنافساً رئاسياً حاداً بين الرئيس الحالي باتريس تالون، الذي وقف أنصاره صفاً واحداً في مشهد مهيب، ضد منافسه رئيس الوزراء الأسبق، ليونيل زينسو، التي انتهت بفوز باتريس تالون، أو ملك القطن المُصلح، كما يطلق عليه في بورتو نوفو.

تعتبر جمهورية بنين، من قلائل الدول الأفريقية التي اشتهرت بكثرة مسمياتها، فأطلق عليها قديماً مملكة داهومي، بقيادة المؤسس الملك هويغبادغا في القرن السادس عشر، أما المستعمرون الأوروبيون فأسموها إسبرطة السوداء، من القرن الثامن عشر إلى عام 1960، واليوم يطلق عليها دولة الملوك، وتم اعتماد ذلك المسمى في لجنة التراث الثقافي الإنساني لليونيسكو منذ عام 1985.

وذلك بسبب احتضانها للقصور الملكية المُكتسحة بالاحمرار الداكن، التي تقول الأسطورة الأفريقية، إن ذلك الاحمرار الداكن، ما هو إلا دماء الأعداء من المستعمرين الأوربيين، وحتى من القبائل الأفريقية التي حاولت غزو مملكة داهومي، فتم قتلهم وخلط دمائهم بطين الأرض، لتشييد تلك القصور، التي تمتد على مساحة واسعة، تزيد على 48 هكتاراً.

تعتبر بنين اليوم، من قلائل الدول الأفريقية التي تحصد الثناء، وعلى الصعيد الدولي، ورغم سجلها الديمقراطي القصير، إلا أن بنين تعتبر اليوم نموذجاً للديمقراطية في أفريقيا، كما سجلت رصيداً عالياً في مؤشر الحكم الرشيد في أفريقيا، ويقيس حالة الحكم عبر القارة، وحصدت بورتو نوفو، رصيداً جيداً في فئات السلامة والأمن والمشاركة وحقوق الإنسان.

بنين اليوم عضو في منظمة تنسيق قانون الأعمال في أفريقيا (أوهادا)، وهذا ما يدعم فرص بنين في النمو الاقتصادي، وازدهار سوق العمل فيها، سببه إلزامية ومجانية التعليم، فالرسوم الدراسية ألغيت في بنين، تنفيذاً لتوصيات المنتدى التربوي، وتعمل وزارة التعليم على تطوير الكوادر التعليمية، وإرسال وفود من الطلاب على نفقة الدولة للدراسة في الخارج، وفي جميع المجالات العلمية، أما الوضع الصحي للسكان، فلقد تطور بشكل إيجابي، بفضل مبادرة باماكو، وذلك عن طريق إدخال إصلاحات في نظام الرعاية الصحية، مبنية على المجتمع.

ما أدى إلى توفير خدمات أكثر كفاءة، كما دعمت الحكومة استراتيجية شاملة لتطوير مؤشرات الرعاية الصحية، كما أن اهتمت الحكومة بتطوير مجال السياحة، وتسهيل وضع نظم جديدة لتجهيز الأغذية والمنتجات الزراعية، وتشجيع التكنولوجيا الجديدة، وبرزت مشاريع لتحسين مناخ الأعمال، من خلال إصلاحات لنظام حيازة الأراضي، ونظام العدالة التجارية، وقدم المجتمع الدولي لبنين، منحة حساب تحدي الألفية.

كما خفض نادي باريس والدائنون، الديون الخارجية لبنين، إلا أن بورتو نوفو، تشكو من عدم كفاية الإمدادات الكهربائية، التي لا تزال تؤثر سلباً في النمو الاقتصادي، رغم أن الحكومة في الآونة الأخيرة، اتخذت خطوات لزيادة الإنتاج المحلي في مجال الطاقة.

تعتبر بنين واحدة من أكثر الدول التزاماً بمبادئ الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا (الأيموا)، كما أن جمهورية بنين عضو في برنامج أسب، وهو برنامج يختص بتطوير السياسات التنموية للدول النامية في مختلف أرجاء العالم، بجانب توفير الدعم من الاتحاد الأوروبي، ومن ثم، يعد البرنامج فرصة لنفاذ صادرات الأيموا إلى العالم الخارجي.

الإدارة الاقتصادية الرشيدة والاستقرار السياسي، من الأمور التي ساعدت جمهورية بنين على الارتقاء بمستوى أداء الاقتصاد، ويمكن القول إن بنين حققت النتائج المرجوة في ثبات الاقتصاد الكلى، وإصلاح المالية العامة، وأصبحت تتطلع إلى مستقبل علمي وعملي جديد، تنسى به ذلك الإرث السلبي الثقيل، وهذا ما يترجمه نشيدها الوطني، الذي يحمل شعار «فجر يوم جديد».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات