ماكرون وترامب.. من التحالف إلى الشماتة - البيان

ماكرون وترامب.. من التحالف إلى الشماتة

بينما عواصم العالم كلها تراقب ما يحدث في فرنسا وتتحسب لعواقبه.. لم يتأخر الرئيس الأميركي ترامب في استخدام السخرية التي رآها كثيرون نوعاً من «الشماتة»، وهو يرسل تغريدته، مؤكداً «أنا سعيد لأن صديقي ماكرون والمحتجين في باريس توصلوا للنتيجة التي توصلت إليها منذ عامين»، مشيراً إلى انسحابه من اتفاقية باريس بشأن المناخ والحفاظ على البيئة.

والتي كان قرار ماكرون بفرض الضريبة على الوقود جزءاً من برنامجه لتطبيقها، قبل أن يضطر للتراجع أمام تظاهر السترات الصفراء!! المسألة بالطبع أعقد من ذلك بكثير، لكن الخلاف بين الرجلين يعطينا صورة لما هو أهم وأكثر خطورة، إذا نظرنا إليه بعيداً عن الزاوية الشخصية، وأدركنا أن كلاً من الرجلين يدافع عن مصالح هائلة، ويعبر عن نظرة مختلفة إزاء النظام العالمي القائم، أو الذي ما زال قيد الميلاد!!

كان وصول ماكرون ومن قبله ترامب إلى الحكم إعلاناً عن تطور مهم وخطير في السياسة العالمية وجاء الرجلان في ظروف متشابهة، ودخل كل منهما إلى السياسة قبل سنوات قليلة، ولم يكن أحد في بداية السباق الانتخابي يأخذ أيا منهما على سبيل الجد، وإذا بكل منهما يأتي من ذيل قائمة الترشيحات ليتصدر المشهد، ثم ليحقق المفاجأة ويصل للرئاسة.

وكان انتصار كل من ترامب وماكرون انقلاباً حقيقياً في عالم السياسة الدولية وإعلاناً بسقوط الطبقة السياسية التي سيطرت على مقاليد الأمور لعشرات السينين، جاء الرجلان من خارج الحياة السياسية، شكل ماكرون حزباً جديداً استطاع خلال شهور قليلة أن يكتسح الانتخابات ويسيطر على البرلمان، بينما لجأ ترامب إلى مخاطبة جماهيره مباشرة عبر «التغريدات» لتكشف انتخابات التجديد النصفي الأخير أن حزبه الجمهوري الذي كان يعارض ترشيحه للرئاسة في البداية، قد أصبح لا يملك من وسائل المنافسة الانتخابية إلا «ترامب» نفسه.

كان هناك من يتصور أن الرجلين القادمين من خارج الطبقة السياسية في كل من أميركا وفرنسا سيكونان حليفين رئيسيين في مواجهة تحديات عديدة في الداخل والخارج.. لكن ما حدث بعد ذلك وضع الرجلين على طرف نقيض.

كان هناك من يراهن على أن «فرنسا ماكرون» ستكون الدولة الأوروبية التي تخلف بريطانيا في موقع الشريك الأوروبي الأساسي، فإذا بالأمر يصل إلى أن يقود ماكرون الدعوة لإنشاء قوة أوروبية عسكرية لمواجهة تهديدات روسيا والصين.. وأيضاً الولايات المتحدة الأميركية!! ليرد «ترامب» بأن على ماكرون أن يتذكر بأن الفرنسيين كانوا يتعلمون الألمانية قبل أن تتدخل أميركا لإنقاذهم في الحرب العالمية!!

ماكرون والمصالح الأوروبية الكثيرة التي يمثلها، انطلقت من نقطة أساسية هي تجديد النظام الدولي وإصلاح مؤسساته، وأن هذا يقتضي الحفاظ على الاتحاد الأوروبي وامتلاكه لعناصر القوة الذاتية المستقلة التي تمكنه من أن يكون فاعلاً أساسياً في قيادة العالم.

على الجانب الآخر كان ترامب مع المصالح التي يمثلها، ينطلق من نقطة أساسية هي أن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، وتم تجديده بعد انتهاء الحرب الباردة. لم يعد صالحاً للبقاء، ولم يعد يحقق مصالح أميركا، وأننا إذا كنا مقبلين على نظام عالمي جديد فعلى أميركا أن تبادر لكي تفرض كلمتها وتحدد ملامح النظام الجديد وهي مازالت في موقع القمة، لكي تحفظ مصالحها وتحمي مكانتها في ظل منافسة تعلم مدى شراستها.

هكذا بدأ ترامب حروبه التجارية التي امتدت من الصين إلى أقرب الحلفاء في أوروبا ودول الجوار الأميركي، وأعلن الانسحاب من اتفاقية المناخ، وبدأ في مطالبة دول «الناتو» بتحمل نفقات الدفاع عن أوروبا، ولم يخف انحيازه لليمين الأوروبي، وتشجيعه لدول أوروبا على السير في طريق «البريكست» أسوة ببريطانيا.

وعلى الجانب الآخر كان ماكرون يعمل مع المستشارة الألمانية ميركل لتوحيد الجهد من أجل حماية الاتحاد الأوروبي، وللتصدي لقوى اليمين المتطرف التي يتسع نفوذها لأسباب عديدة أهمها التراجع الاقتصادي وموجات الهجرة وعودة الأفكار العنصرية.

هكذا كانت فرنسا تشتعل بتظاهرات «السترات الصفراء» وقوى التطرف تحاول استغلال الأزمة، وأوروبا تخشى من مخاطر امتداد تظاهرات الغضب إلى باقي دول القارة العجوز، بتشجيع من قوة اليمين التي تحاول استغلال الموقف لحسم صراع الانتخابات الأوروبية التي ستجرى بعد بضعة أشهر.

وفي نفس الوقت كانت تغريدات ترامب التي رفضت الرئاسة الفرنسية أن تدخل في جدل حولها تثير الاهتمام الإعلامي كالعادة، ولكن الأهم كان عند وزير الخارجية الأميركي بومبيو وهو يطلق من عاصمة الاتحاد الأوروبي بروكسل ما قد يكون التعبير الأوضح عن نظرة الإدارة الأميركية للنظام الدولي، وما تسعى إليه في هذا المجال.

ووجه بومبيو انتقاداته للمؤسسات الدولية مؤكداً أن منظمات مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لم تعد تؤدي الوظائف التي أسست من أجلها.

على الجانب الآخر، أصبح واضحاً أن أزمة فرنسا أكبر من حكاية «ضريبة الكربون» إنها أزمة أوروبا وهي تحاول إنقاذ مكانها ومكانتها في عالم يمر بلحظة تغيير عاصفة هل تستطيع بوحدتها أن تنجو، أم أن رياح التغيير أقوى من محاولاتها للصمود.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات