من هنا بدأت مسيرة الخير مع زايد وراشد - البيان

من هنا بدأت مسيرة الخير مع زايد وراشد

لا شيء يؤكد الاعتزاز بما حققته الإمارات في مسيرتها الرائعة خلال أقل من نصف قرن، أكثر من أن نتذكر كم كانت البداية صعبة، وكم كانت المسيرة مليئة بالتحديات، وكيف كان النجاح ثمرة جهد شعب آمن بوحدته وسار في طريق الخير وراء قيادة وهبها الله الحكمة، لتضع الدولة منذ لحظة الانطلاق قبل 47 عاماً على الطريق الصحيح الذي أعطى الإمارات مكانتها المتميزة بين دول العالم المتقدمة.

كانت الظروف في غاية الصعوبة.. وكانت العقبات تعرقل جهود بناء الاتحاد، وكانت هناك قوى عديدة في المنطقة تعمل جاهدة على جعل عروبة الخليج موضع تساؤل، وتسعى لانتهاز ظروف ما بعد ضربة يونيو 67 لكي تغير الواقع في العالم العربي كله لمصلحتها وضد المصالح العربية.

وهنا ينبغي أن نذكر بكل التقدير هذه الصلابة التي أبداها الأب المؤسس الشيخ زايد ورفيق الكفاح شقيقه الشيخ راشد، رحمهما الله، في التمسك بمبدأ «الاتحاد» ورفض كل محاولات إجهاض الحلم الكبير، لم يكن لقاء «السميح» عام 1968 مجرد تأكيد على التوافق بين الرجلين الكبيرين، بل كان إعلاناً بتحمل المسؤولية أمام أبناء الوطن كله، وإيماناً بأن الحلم سيتحقق وأن كل الأشقاء من حكام الإمارات سوف يشاركون في تحقيقه، وأن كل العقبات سيتم تخطيها.

وعلى مدى الأيام بعد ذلك، لم يتوقف العمل لتذليل العقبات، ولم يكن هناك من سلاح أقوى من إيمان لا يتزعزع بأن «الاتحاد» هو مستقبل هذا الوطن، وسلاحه القادر على هزيمة التحديات وصنع المعجزات.

وأكتب من واقع عايشته، وأتذكر كيف تابعت مع الجميع الأيام الصعبة قبل إعلان «الاتحاد» وكيف كنا نتابع لحظة بلحظة أنباء اجتماعات الحسم، حتى تم إقرار دستور الدولة، ثم كان إعلان الاتحاد في اليوم التالي، ليكون شلال الفرح الذي اجتاح البلاد هو الرد على كل من حاولوا زرع الخلافات أو تعطيل المسيرة، وعلى كل من تصوروا أن اغتصابهم لجزء عزيز من تراب الوطن باحتلال الجزر الإماراتية سوف يفرض واقعاً جديداً على الإمارات والمنطقة.

كان الاتحاد هو الرد، وكان بناء الدولة هو التحدي. وما كان أصعب هذا التحدي حين تبدأ البناء من نقطة الصفر تقريباً، وحين تبدأ البناء في ظل توازن قوى مختل يريد أن يفرض شرعية مستحيلة على احتلال الأرض العربية، ويريد أن يعطّل كل جهد لتحقيق النهضة التي تعوض أبناء الإمارات عن السنين الصعبة، والتي تحيل الدولة الوليدة إلى مركز يجسّد القدرة العربية على تحقيق المستحيل وعلى تقديم النموذج المتقدم الذي تحتذي به الدول في كل المجالات.

وربما كان أصعب ما في سنوات التأسيس هو أن القائد المؤسس زايد ورفاقه من حكام الإمارات وفي مقدمتهم الشيخ راشد، كانوا في مواجهة معادلة صعبة: وهي كيف يتم العمل لتحقيق متطلبات البداية الصعبة في دولة تفتقر لكل شيء من مدارس ومستشفيات وطرق ومطارات حديثة ومدن توفر الحياة الطيبة لكل المواطنين مع قوة عسكرية تحمي الوطن وتكفل الأمن والاستقرار؟

وفي نفس الوقت كيف تحقق الوجه الآخر للمعادلة، بأن تعد للمستقبل، وأن تختصر السنوات المطلوبة للإنجاز، وأن تغرس البذور الطيبة في أرض الوطن وتنتظر الثمار بعد زمن من الرعاية لأجيال جديدة هي نبت دولة الإمارات، وهي التي ستكون دعامته الأساسية في بناء المستقبل المنشود.

كانت المهمة صعبة. ولم يكن من الممكن تحقيقها إلا مع قيادة تملك الرؤية والعزيمة، وتعرف كيف تتعامل مع المصاعب والتحديات، وكيف تعبر بالدولة دائماً إلى بر الأمان، وكيف تزرع الأمل في نفوس كل أبناء الوطن.

قاد زايد المسيرة بإرادة عرفت كيف تجمع بين الصلابة والمحبة، وكيف تبني سياجاً يحمي التجربة الوليدة حتى تنضج، شاهدت في تلك السنوات كيف تحولت الإمارات إلى ورشة عمل لا تهدأ. وكيف كان البناء يرتفع، والصحراء تحتضن المدن الجديدة. لكن في نفس الوقت كان الرهان على المستقبل حاضراً، وكان بناء المواطن هو الأساس، وتابعنا زايد وراشد وهما يخطان على رمال الصحراء خطوط المستقبل المرجو، ورأينا كيف كان الرهان على المستقبل هو الأساس وإن كان مرتهناً بالنجاح في مرحلة التأسيس.. وهو ما تحقق بكل نجاح.

وفي سنوات التأسيس الصعبة.. كان مهماً للغاية أن يظل الحلم بالدولة العصرية المتقدمة حاضراً، رغم كل الصعاب والتحديات. منذ البداية كان المؤسس زايد يدفع الشباب إلى المقدمة مدركاً أن القادم أفضل، كان يعرف أنه تسلم قيادة دولة عليها أن تبني نفسها من نقطة الصفر، وكان يدرك أن أمام شعب الإمارات مهمة بناء مؤسسات الدولة كلها.

وفي سنوات التأسيس كان الشيخ راشد رفيقاً لزايد الخير في التمسك بالحلم، وأتذكر لقاء مع الشيخ راشد في مكتبه البسيط وهو يؤكد أن «دبي» ستكون ميناء عالمياً، وأن التوسعات الهائلة التي يقوم بها في الميناء أو المدينة هي أقل مما يريده، لأن المستقبل يحتاج لأضعاف ما يتم بناؤه.

بعد أقل من نصف قرن، تبدو الإمارات هي النموذج الأمثل للنجاح العربي، تخطت كل التحديات، وأثبتت أن رهان الآباء المؤسسين بقيادة «زايد الخير» على الشباب كان رهاناً صحيحاً، وأن القرار بأن يكون البشر هم أساس التقدم كان القرار المهم.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات