مخرجات الوحيين في تعزيز التسامح - البيان

مخرجات الوحيين في تعزيز التسامح

الإمارات أرض الوئام، وواحة التعايش والسلام، وهي منارة مشرقة تبعث إشراقات التسامح للعالم كله، وقد أولت التسامح أهمية كبرى، ووضعت الاستراتيجيات لتحويله إلى عمل مؤسسي وعالمي، سواء باستحداث وزارات أو تدشين معاهد دولية أو سن قوانين أو إطلاق جوائز أو ابتكار مبادرات أو تنظيم فعاليات، ومنها فعاليات القمة العالمية للتسامح التي أقيمت بدبي.

ولاقت إقبالاً كبيراً، ذلك الذي من شأنه أن يساهم في تعزيز التسامح، ومد جسور التواصل بين الشعوب والحضارات، وتعزيز السلام الإقليمي والعالمي، في وقت أحوج ما يكون العالم فيه إلى ذلك.

والمتأمل يجد أن اهتمام دولة الإمارات بالتسامح نابع عن قناعة راسخة بأهميته الكبرى في استقرار الأمم والشعوب، ونابع عن قيم إماراتية أصيلة تستمد جذورها من قيم الحضارة الإسلامية العريقة.

والعادات والتقاليد العربية الأصيلة، وإرث القادة المؤسسين، الذين غرسوا ثقافة التسامح في المجتمع الإماراتي، لتغدو شجرة باسقة مثمرة، تلقي ظلالها عبر واقع ملموس يشهده القاصي والداني، حتى أضحت دولة الإمارات حاضنة لمختلف الجنسيات من حول العالم، يعيشون جميعاً في تناغم وانسجام، وصدق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رعاه الله لما قال: «التسامح لا نرفعه شعاراً، ولكننا نعيشه نهج حياة».

ومن ينظر في نور الوحيين، القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يجد أنهما زاخران بالتعاليم السمحة التي تعزز التسامح بين البشر، وترسخ قيماً إيجابية تجعل التسامح واقعاً ملموساً على كافة الأصعدة، ومن هذه المخرجات ترسيخ منظومة الأخلاق الحميدة، والتي لم تقتصر على ترسيخ التعايش السلمي فقط، بل رسخت إضافة لذلك التكافل الإنساني.

فجاء الحث على البر والإحسان، سواء في التعامل مع الأقارب أو الجيران أو المجتمع أو الشعوب الأخرى، وهذا ما ظهر جلياً في حياة الرعيل الأول، فكان تعامل المسلم مع أقربائه وجيرانه غير المسلمين تعاملاً راقياً، وكان المسلمون يشاطرون غيرهم العيش في مجتمعهم وأسواقهم بأمن ووئام، تحكم تصرفاتهم منظومة راقية من الأخلاق القويمة تجاههم، كالبر والإحسان والعدل والصدق والأمانة والوفاء والكلمة الطيبة والعفو والصفح وتحريم الظلم ونبذ الاعتداء على الطرف الآخر .

وإن اختلفت الثقافات والعقائد واللغات والأعراق مع المحافظة على هوية المجتمع وأصالته وقيمه الثقافية وخصوصياته الدينية، ما ساهم في بناء مجتمع إنساني متحضر أضحى نموذجاً رائداً للبشرية جمعاء في العيش المشترك، قال الله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}.

ومن مخرجات الوحيين في تعزيز التسامح: العناية الشرعية الفائقة بالضرورات الخمس، والمحافظة عليها، وخاصة النفس والعرض والمال، فجاء تحريم الاعتداء على هذه الضرورات في نصوص قرآنية كثيرة وأحاديث نبوية وفيرة، قال الله تعالى: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم»، وكل ذلك يصب في صيانة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

ومن المخرجات الشرعية كذلك تعزيز الفقه السديد في التعامل مع الاختلاف، بتقرير أن الناس منذ القدم مختلفون في آرائهم ومعتقداتهم ومذاهبهم، وتلك سنة كونية قدرها الله العزيز الحكيم، وأن هذا الاختلاف يحتاج إلى ضوابط محكمة لئلا يتجاوز الخطوط الحمراء، ومنها عدم إكراه الناس في الدين، ونبذ التعصب للرأي، وطلب الحق، والتحاور البنَّاء، وتعزيز نقاط الالتقاء والقواسم المشتركة.

وتقليل مساحة الاختلاف، واحترام وتشجيع التنوع الإيجابي للآراء التي تساهم في تعزيز المنجزات الحضارية، وعدم الاعتداء على الطرف الآخر، وكلها قيم تساهم في ترسيخ التسامح في المجتمعات، وتحميها من الصراعات الطائفية والمذهبية وتعزز سلمها المجتمعي.

ومن مخرجات الوحيين كذلك تعزيز دور الأسرة في بناء أجيال التسامح، بحسن تنشئة الأبناء منذ الصغر على الأخلاق الحميدة، وتعويدهم ممارسة التسامح في حياتهم اليومية، سواء في المنزل أو المدرسة أو الحي أو المجتمع، لينشأ الصغير على هذه القيم منذ نعومة أظفاره، ومن النماذج على ذلك ما ورد في القرآن الكريم من وصايا لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه، وهي وصايا إيمانية ثمينة زاخرة بقيم التسامح.

حيث أوصى لقمان ابنه برعاية حقوق الوالدين وإن لم يكونوا مسلمين، كما أوصاه بالتواضع للناس، وعدم التكبر عليهم، والصبر معهم. وأخيراً فإن مخرجات الوحيين التي تقرر التسامح كثيرة، وما ذكرناه مجرد قطرات يسيرة من هذا البحر الزاخر.

وإن الواقع اليوم بما يحمله من صراعات وموجات تعصب وتطرف وعنف يحتم تسليط الضوء على هذا الجانب، بإظهار وجه الحضارة الإسلامية المشرق، وما تحمله من القيم السمحة والمقاصد العليا الداعية إلى التسامح والرحمة والسلام، وتصحيحاً للمفاهيم المغلوطة التي يروجها المتطرفون ودعاة التشويه والإسلاموفوبيا.

* مدير عام مؤسسة رأس الخيمة للقرآن الكريم وعلومه رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات