أمن مصر والخليج العربي مسؤولية واحدة

تدرك مصر جيداً أن قدرها أن تكون مستهدفة على الدوام من أعدائها وأعداء الأمة العربية. وتدرك مصر جيداً أن نهوضها يزعج الكثيرين، وأن تقدمها الذي يرجوه العرب جميعاً لا يسعد قوى الشر المتربصة بها وبالوطن العربي كله.

لا يتمنى أعداء العرب إلا أن تنكفئ مصر على مشكلاتها الداخلية، ولا يريد العرب إلا مصر التي تستقر أمورها فتستقر الأوضاع في الوطن العربي، وتبني تقدمها وتستكمل عناصر قوتها، فتتراجع المخاطر وتعيد قوى الشر في المنطقة حساباتها، وتعرف أن أي مساس بأمن الوطن العربي سيكون الرد عليه قاسياً، وأن أي عدوان على أرض عربية سيكون ثمنه فادحاً.

في الأسبوع الماضي تزامنت أحداث عدة لترسم صورة لواقع يواجه التحديات وينتصر للمستقبل.

كانت مصر على موعد مع «درع العرب» الذي يجمع دولاً عربية شقيقة في أكبر تجمع عسكري يجري على أرض مصر غرب الإسكندرية، وبالقرب من الحدود الغربية مع ليبيا، وعلى شاطئ البحر المتوسط، كانت دول الخليج «السعودية، الإمارات، البحرين والكويت» تشارك في التدريب إلى جانب قوات مصر والأردن، بينما كان لبنان والمغرب يشاركان بصفة مراقب، حدث غير عادي في وقت يحتاج لتأكيد القوة العربية، كما أشرنا في المقال السابق.

في الوقت نفسه. كانت مصر تبدأ مؤتمراً دولياً للشباب شارك فيه الآلاف من دول العالم، وخاصة من الدول العربية والأفريقية. وكان أهم ما في الحدث أن ينعقد في قلب سيناء الآمنة، وفي مدينة شرم الشيخ، رمز السلام والمحبة في العالم كله.

كان هذا هو الوقت الذي اختاره الإرهاب المنحط ليقوم بإحدى عملياته التي يحاول من خلالها أن يقول إنه موجود، فلا تكون النتيجة إلا أن يثبت أن ما يفعله يؤكد أنه يعيش مرحلة النهاية، وأنه يأبى إلا أن تكون نهايته بهذا الانحطاط الذي لا يعرف ديناً ولا يؤمن بوطن ولا يفهم إلا لغة الدم التي لا تعترف بقيم إنسانية ولا تصدر عن نفس سوية.

عصابة من عصابات الإرهاب الإخواني الداعشي تهاجم أحد الأتوبيسات التي يستقلها ركاب آمنون أغلبهم من الأطفال والنساء في رحلة العودة، بعد زيادة لأحد الأديرة في محافظة المنيا بوسط الصعيد. يفتحون نيران أسلحتهم على هؤلاء المواطنين المسالمين، يسقطون تسعة قتلى وعدداً أكبر من الجرحى يفرون بعد الجريمة المنحطة متصورين أنهم سيصدرون الفزع في قلوب الإخوة المسيحيين من أبناء مصر، أو أنهم سيفتحون الباب الذي فشلت كل المؤامرات لفتحه. وهو باب الفتنة الطائفية التي عصفت بأوطان عدة ووقفت على مدى السنين عاجزة أن تقسم مصر أو تمس وحدتها.

لم يتعظ هؤلاء بتجربة السنوات الماضية، التي كان آخرها ما شهدته مصر بعد سقوط حكم الإخوان الفاشي، حين لجأت عصابتهم الإرهابية إلى حرق الكنائس والاعتداء على المسيحيين، في محاولة بائسة لتصوير الأمر على أنه صراع ديني، بينما كان سقوطهم هو النتيجة الطبيعية لثورة شعب بأكمله خرج لينهي حكماً فاشياً عميلاً، ولينقذ مصر من براثن الإرهاب ويضع حداً لعمالة لا تؤمن بوطن ولا تعرف ديناً ولا ترعى حرمة، ولا تنتصر إلا لإرهابها الذي خيّر المصريين بين الاستسلام لحكم الجماعة الإرهابية أو القتل!!

وكما كانت مصر عظيمة وهي تسقط الحكم الإخواني الفاشي في 30 يونيو، كانت أيضاً عظيمة وهي تتصدى لإرهاب حظي بدعم خارجي هائل، وترد على مؤامرة إثارة الفتنة الطائفية بالمزيد من تلاحم مصر بين أطيافها، وبوعي كامل بأبعاد المؤامرة يخرج البابا تواضروس يومها ليؤكد أن وطناً بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن!

وبالروح نفسها ما زالت مصر تتصدى للمحاولة اليائسة لفلول الإخوان والدواعش الذين يبدون عجزهم عن مواجهة الجيش والشرطة بعد الضربات الساحقة التي يتلقونها، فلا يجدون إلا المواطنين الآمنين. وكما استهدفوا من قبل مسجد الروضة في العريش يستهدفون اليوم أقباطاً آمنين، فيكشف انحطاطهم أنهم يعانون يأس النهاية وعجز المهزومين.

وواضح أنهم بعد الضربات الساحقة التي تلقوها في سيناء والصحراء الغربية يحاولون إيجاد موقع قدم لهم في صعيد مصر، ويحاولون بشتى الطرق إثارة الفتن الطائفية وخاصة في منطقة المنيا، لكنهم يواجهون هذه المرة حائطاً صلداً، ووحدة وطنية لا تنفصم، ودولة تعرف أنها في حالة حرب لن تنتهي إلا باستئصال كل أثر لجماعات الإرهاب الإخواني الداعشي من أرض مصر.

وسط كل هذه الأحداث كانت الحقيقة تؤكد أن مصر ستظل مستهدفة من أعداء الأمة والدين، ولكنها في الوقت نفسه كانت تؤكد أنها ستظل قلب أمتها العربية، وأن الذين يتوهمون أن ما تواجهه مصر من تحديات داخلية ومصاعب اقتصادية يمكن أن يدفعها للانكفاء الداخلي. لابد أن يدركوا أن رهانهم خاطئ.

فمصر لا يمكن أن تتخلى عن مسؤولياتها القومية ولا يمكن أن تفصل أمنها عن أمن الوطن العربي، أو تترك أعداء الأمة يستبيحون الأرض العربية، وهنا كان صوت مصر قوياً، وهي تؤكد أنها لا يمكن أن تتخلى عن شعب فلسطين أو تقبل حلاً لا يقبله ولا يضمن حقوقه المشروعة.

ومن هنا كان تأكيد رئيس مصر بكل وضوح أن أمن الخليج العربي من أمن مصر، وأن مصر لن تقبل مطلقاً أي مساس بأمن دول الخليج العربي، وأن جيشها جاهز على الدوام للتحرك إذا تعرض أمن الخليج للخطر.

تعليقات

تعليقات