لا إغلاق ولا استعباد

عما فعلته لنا وبنا مواقع التواصل الاجتماعي، دارت إحدى أهم جلسات «منتدى شباب العالم 2018» في شرم الشيخ: «مواقع التواصل: تنقذ أم تستعبد؟». العالم المتحزب بين فريق كاره ناقم رافض لكل ما يأتي عبر هذه الشاشات الصغيرة الملتصقة بها رؤوسنا، وآخر محب عاشق مغرم بكل همزة ولمزة، وتدوينة وتغريدة، ومعلومة وإشاعة صادرة من الشاشات نفسها، لم يصل بعد إلى تصور واضح لهذا العالم الموازي.

وبعد ما ظن ملايين أن كل ما يأتي من الشبكة العنبكوتية هو خير مطلق، وكل ما يصدر عن مواقع التواصل الاجتماعي هو بناء للمجتمعات، وتشييد لمسارات التنمية، كشفت الشبكة عن أوجه مغايرة، ونجم عن المواقع آثار معاكسة.

وعكس هذا التيار، ساد الجلسة حديث مستفيض عن هذا الإدمان اللعين، وتلك المواقع المسيئة للبشرية، وهؤلاء المدمنين الذين فقدوا عقولهم وسُلِبت إرادتهم، خرج الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بما يشير إلى عكس الاتجاه.

الاتجاه الذي يشتعل حيناً ويخفت حيناً بين البعض من غير الملمين بطبيعة الشبكة العنكبوتية، وغير المدركين لتطور الحركة البشرية، يعتقد أنه في الإمكان أن نستيقظ ذات صباح، لنجد أن أحدهم أغلق بوابات الإنترنت، وألغى مواقع التواصل «بالضبة والمفتاح».

المفتاح الذي أداره الرئيس في ثقب أبواب الفكر المغلق، أوضح أن أي محاولة لمنع مواقع التواصل الاجتماعي مصيرها الفشل، وأن العبرة في كيفية الاستخدام. المتجول في مواقع التواصل الاجتماعي، يجد شتى أنواع الاستخدام، وكل صنوف التواصل، منها ما هو غارق في العنف والكراهية، ومنها ما يطفو على سطح الفكر المتشدد والتطرف المتنوع، لكن منها أيضاً ما يميل إلى علم ينتفع به، أو فائدة تنعكس على حياته وحياة من حوله.

خولة الهاوي الخبيرة الإماراتية، دقت على وتر إحدى الفوائد الكثيرة لمواقع التواصل الاجتماعي. ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة تنتعش وتنتشر، ويبزغ نجمها على أثير الشبكة. وهي الشبكة نفسها التي تسلب البعض وقته، وتستنزف جهده، وتستوجب الترشيد. الهاوي لم تنكر آثار الشبكة المدمرة والمؤثرة سلباً، لكنها في الوقت نفسه سلطت الضوء على ما يمكن أن نستخلصه إيجاباً منها، عارضة تجربة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وشما المزروعي وزيرة الدولة لشؤون الشباب، لجذب الشباب للأنشطة الإيجابية لمواجهة إدمان مواقع التواصل الاجتماعي.

إدمان مواقع التواصل أمر واقع لا ريب فيه، وهو ما تحدّث عنه باتريك وينست المعالج النفسي المتخصص في علاج إدمان الإنترنت في السويد، المصنفة باعتبارها إحدى أكثر دول العالم اتصالاً بالشبكة. كما دق على الوتر نفسه جاكسون هاريس، المخرج والمصور البريطاني، الذي أكد أن الاستخدام المفرط للإنترنت، يجعل الأفراد أقل قدرة على التواصل في العالم الحقيقي، الذي صار موازياً للافتراضي.

افتراضياً، لم يكن في حسبان أحد أن تتحول الشبكة إلى أحد أكبر مراكز التهديد لأمن المجتمعات واستقرارها. لكن واقعياً، أثبتت الشبكة أن في إمكانها أن تتحول إلى منصة بالغة الفعالية لغسل الأدمغة، وتجنيد العناصر المتطرفة، ونشر الفكر المتشدد المغموس في عوالم الكراهية والعنف. عضو المجلس القومي لمكافحة الإرهاب في مصر، مدير «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية»، العميد خالد عكاشة، لفت إلى «المساحة المجانية» التي وفرتها مواقع التواصل الاجتماعي لبث الفكر المتطرف والتجسس على الشعوب وتفتيت الدول.

لكن تفتيت الدول أو الحفاظ على كيانها، وبث الفكر المتطرف أو نشر التوجه التنويري، والتعامل مع مواقع التواصل باعتبارها مساحة مجانية للعنف والكراهية، أو ساحة طيبة للتسامح والتواصل، تظل خيارات متاحة وتحديات مثارة. فالفراغ الفكري سيملأه أحدهم. ولو لم يبادر إلى شغله المستنيرون وأصحاب الفكر الهادف والتوجه الصائب، سيسارع ويصارع آخرون لحجز المقاعد الأمامية، وضمان النتائج الأولية.

وما نحن فيه من نوعية استخدام عربية لمواقع التواصل الاجتماعي، وسبل استغلال وملء فراغ الأثير العنكبوتي، وما أسفرت عنه من نتائج، بعضها مفيد وأكثرها كارثي، ليست إلا نتائج أولية في الجولة الأولى من جولات العصر الرقمي.

العصر الرقمي الذي سبقت دول عربية، على رأسها الإمارات -ليس فقط في الاستعداد له- بل لمواكبته وتعظيم الاستفادة منه، ما زال في مستهله. ولو كان العرب في المجمل قد خسروا أو أخفقوا أو جانبهم التوفيق في الاستعداد الأمثل له، فإن الفرصة ما زالت مواتية. كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، قبل نحو أربع سنوات، عن مواقع التواصل الاجتماعي، ما زالت حاكمة: «وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت مفاهيم، وفتحت أبواباً، وأسقطت حواجز، وطورت العمل، وجعلت الجمهور جزءاً من التنمية».

فرص التنمية كامنة في مواقع التواصل، شأنها شأن احتمالات الهدم وأخطار التفتيت. الإغلاق -كما أكد الرئيس السيسي- غير وارد، لكن تغيير المفاهيم وفتح الأبواب وتطوير العمل، واردة وحادثة بالفعل. إنه الإنقاذ، ونبذ الاستعباد، دون إغلاق.

تعليقات

تعليقات