الحرب على الإرهاب مستمرة وتحقق إنجازات

كثيرة هي الرسائل التي يبعث بها الحادث الإرهابي، الذي تعقب مرتكبوه أتوبيس رحلات في طريق العودة من دير «الأنبا صموئيل» بمحافظة المنيا في صعيد مصر، فأودى بحياة سبعة مواطنين أقباط من أسرة واحدة، بينهم أطفال ونساء.

من بين تلك الرسائل، تأكيد جماعات الإرهاب الجهادي أنها لا تزال قادرة على الإيذاء، وتنفيذ ما يشبع نهمها لإسالة الدماء وإشاعة الخراب والفوضى.

أما التوقيت فمقصود أن تقع الجريمة في اليوم نفسه الذي يبدأ فيه منتدى شباب العالم أعماله في شرم الشيخ الذي يحضره الرئيس السيسي، وكان يشارك مع شبابه قبل يوم الافتتاح في سباق للدراجات ليمنح أعضاء المؤتمر الثقة بأن البلد آمنة، فتأتي الجريمة الإرهابية لتقول لهم العكس من ذلك، وتلك هي رسالتها الثانية.

قبل نحو عام، وفي أعقاب حادث إرهابي مماثل في المنيا هاجم فيه الإرهابيون حافلة متجهة للدير نفسه، وفتحوا عليها نيرانهم وسرقوا متاع ركابها ومصاغهم، نشر إخواني هارب من وجه العدالة، وأحد الأذرع الإلكترونية لجماعة الإخوان على شبكات التواصل الاجتماعي، تهديداً صريحاً بمواصلة قتل الأقباط المصريين.

وقال ببجاحة ما نصه «النصارى يدفعون ثمن تحالفهم مع النظام المصري ولا حل لهم إلا الرجوع خطوة للوراء، والتصالح مع المسلمين، أو أن دماءهم ستظل تجري أنهاراً، ولن يبالي بها أحد».

وبعد استهداف الإرهاب الجهادي لضباط الشرطة والجيش، تأتي الرسالة الثالثة لتجدد القول إن الأقباط في مصر هم في قائمة الفئات المستهدفة من قبل جماعات الإرهاب الجهادي التي تحركها وتنفق عليها بسخاء جماعة الإخوان بدعم من التحالف الإقليمي الذي يجمعها مع كل من قطر وتركيا. والسبب في إدراجهم ضمن قائمة الاستهداف.

كما يدعون، هو مشاركتهم مع كل فئات الشعب المصري في الثورة التي أطاحت بحكم الإخوان، من أجل الدفاع عن الوحدة الوطنية والدولة المدنية التي تحمي حقوقهم من الخزعبلات الطائفية التي ينشرها المتاجرون بالدين، والذين لا يستحون من القول إن كل المسلمين إخوان، في حالة من الاستهبال تغشي بصرهم وضمائرهم.

فالفكر الطائفي الّذي يحرّض على غير المسلمين، متجذر لدى جماعات الإرهاب الجهادي من قبل أن يأتي نظام الرئيس السيسي، ومنذ أطلق الرئيس السادات في سبعينيات القرن الماضي سراح قيادات جماعة الإخوان، ومكنهم من التغلغل في مؤسسات الدولة والمجتمع للتصدي لمعارضيه من القوى المدنية.

والأدلة أكثر من أن تحصى على مناخ التعصب الديني والطائفي الذي أشاعته الجماعات الأصولية ضد المختلفين أياً كان دينهم مثل: الاعتداء على مصلين في نادي اجتماعي للأقباط في بلدة الخانكة عام 1972، واختطاف وقتل الشيخ الذهبي عام 1977 واغتيال فرج فودة عام 1992 ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ عام 1995.

فضلاً عن قتل ستة من أبناء إبراشية قنا، ومحاصرة كنيسة وقتل حارسها في الجيزة عام 2010، وتفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية، وإحراق كنيسة الشهدين في بلدة أطفيح بالجيزة، وحرق كنيستين في إمبابة مما أودى بحياة 28 مصرياً من المسلمين والأقباط عام 2011.

وليس بعيداً عن الذاكرة انتشار أعضاء جماعة الإخوان في كل المحافظات في أعقاب فض اعتصامهم المسلح في منطقتي رابعة والنهضة حينما جابوا مصر من أدناها إلى أقصاها يحرقون الكنائس والأديرة، ويعتدون علي الأقباط، والهدف معلوم، نشر الذعر وإخافة المجتمع وبث الفرقة بين مواطنيه بتأجيج نيران الفتن الطائفية.

في حادث المنيا الأخير، كان الدرس الرابع منه، تخلي المواطنين عن فضيلة الحذر، ففي أعقاب الحادث المماثل العام الماضي أغلقت الدولة الطريق الرئيسي المؤدية للدير، وطالب البابا تواضروس الأقباط بوقف الصلاة به حتى يتم تأمين الوصول إليه، فتجاهل المواطنون ذلك وارتادوا طريقاً جانبياً ضيقاً في عمق الصحراء، فيسروا على الإرهابيين مهمة قتلهم.

ولأن الحرب على الإرهاب هي مع عدو يعتمد على خلايا نائمة لجماعة الإخوان داخل البلاد، ويستعين بفئات من العصابات غير المنظمة لتنفيذ جرائمه المنظمة، مدججة بأحدث الأسلحة، ومزودة بأموال طائلة بعد سقوط نظام مبارك، فقد طال أمد تلك الحرب، لكنها لا تزال تحقق إنجازات ملموسة، رغم كلفتها الاقتصادية والمعنوية الباهظة.

فالقوى الأمنية التي تواجهه استعادت لياقتها المهنية وتدربت وتسلحت لسد الثغرات التي ينفذ منها الإرهابيون، ونجحت في إجهاض عدد من عملياتهم قبل تنفيذها، وفي القبض على الجناة منهم، وفي رسم خريطة لشبكات العاملين فيها والتابعين لهم.

والأهم من كل هذا فقد جموع المواطنين الثقة في التيارات التي ينتمي إليها الإرهابيون، وعجز الأخيرين عن تغيير هوية الشعب المصري، ودفعه للتخلي عن عقيدته الراسخة، بأن الدين لله والوطن للجميع.

* رئيسة تحرير جريدة «الأهالي» المصرية

 

 

تعليقات

تعليقات