تخيَّل.. لا وجود لقطر

اختلف الناس حول قائل «اللهم اكفني شر أصحابي، أما أعدائي فأنا كفيل بهم»، فمنهم من يقول إنها للإمام علي، رضي الله عنه، ومنهم من ينسبها لـ «فولتير» أو «روبرت غرين» وغيرهم، ولكن لم يختلف الناس قط على المغزى، بل اتفقوا أن الشر الذي يتغلغل في صدر الذي يدّعي الصداقة ويضمر الشر، أشد بكثير من خطر العدو الذي يُظهر ويُبطن العداء والخصومة.

كنت أتمني أن يكون عنوان مقالي «تخيل لا وجود لإسرائيل»، أو «لا وجود لأميركا»، ولكني، وكلما حاولت أن أكتب شيئاً، تتقافز إلى ذهني مئات الصور والأحداث والمواقف التي تصرخ بأنه، ومنذ عام 1996، فإن كل ما نراه أو نسمعه أو نشاهده من شر، في الوطن العربي، قد تم تصنيعه في الدوحة، بل ما زال يصدر عن قطر، وكأنها ماكينة مصممة فقط لإنتاج الشر.

للعلم فقط، وللتاريخ، فإن كل ما حدث للعراق منذ عام 1996، ويحدث لغاية الآن، وكل ما حدث لصدام حسين، سواء اختلفنا معه أو اتفقنا، فإن نهاية كل حدوتة أو مؤامرة سمعتها أو قرأت عنها، تؤكد أن يد الحمدين وأصابع قطر كانت هناك، منذ خروج حسين كامل، ثم الحرب على العراق 2003، وسقوط بغداد، ثم دخول إيران وانتشار الجماعات الإرهابية، وحتى يومنا هذا.

الجميع يعلم، أن كل ما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، ومنذ الربيع الغاشم 2011 وحتى هذه اللحظة، كانت قطر، وبإقرارها واعترافها المعلَن، تقف خلفه وتسانده، ولم تتوقف، لغاية الآن، عن نهجها الذي يقال عنه بأنه «نهج صهيوني بامتياز»، يحقق حلم إسرائيل الكبرى، في زعزعة أمن دول الوطن العربي، وتفتيتها وتقسيمها وخرابها.

ماذا جنت قطر في سوريا؟ قرأنا عن إصرارها وأحلامها آنذاك لعبور الغاز القطري إلى أوروبا، ولكن الحقائق التي تتكشف الآن، تثبت أن أهداف قطر، تشمل تدمير البنية التحتية السورية، خاصة العسكرية، عدا عن الاجتماعية والإنسانية، تحت مسمى الحريات والديمقراطية، بعد سقوط بغداد وانهيار المنظومة العسكرية العراقية، وبقاء الترسانة السورية وحدها على الجبهة مع إسرائيل.

سألني صحافي، لماذا تضعون الآن كل شيء في رقبة قطر، أين كان ذلك قبل عام 2010؟ فكانت إجابتي أننا لم نكن نجهل وقع تلك السكاكين التي تغرزها قطر في خاصرة الأمة، ولكنها كانت تقول دائماً إنها «نيران صديقة»، تبرر أفعالها بطريقة صبيانية في ثوب الصداقة والمحبة، وتحت مسميات الخطأ، كانت تجلس في اجتماعات مجالس الخليج والجامعة العربية، لتبرر كل ما تقوم به، تدعم جماعات الإرهاب وتمولها، ثم تدّعي أنها تحاول إجراء مصالحة أو خلافه، وحين تحاصرها، تتمسك بالمظلومية، وتبكي كفتاة هوى وقعت في الخطيئة، وتطلب العفو والصفح.

تخيلت خارطة الوطن العربي السياسية، بدون قطر، رأيت العراق سالماً، ولبنان معافى، رأيت سوريا تتألق في حضورها التاريخي الزاهي، رأيت مصر في مكانتها العظيمة ودورها الكبير، رأيت تونس وليبيا واليمن والسودان تزدهر، رأيت الخليج قوياً، يتعالى وينافس دول العالم ويتفوق عليها، رأيت الإنسان الخليجي والعربي مشغولاً بالإبداع والتطور، وتحقيق نتائج متفوقة، رأيت الإعلام يدعم كل المبادرات، يسهم في إسناد الإنجازات، لم أرَ المدينة الفاضلة، ولكنني رأيت عالماً يعج بالعمل والمثابرة والتنافس.

كنت أتمنى أن أقول: تخيل قطر بدون الحمدين، ولكن تبيّن لي أن العقلاء في الدوحة، أقل نفوذاً بكثير من المرتزقة والمارقين والإرهابيين، فأصبحت الدوحة مرتعاً لهم، لذا، لم أجد بُداً، أن أتخيل هذا العالم، من دون قطر.

تعليقات

تعليقات