صراع مصالح لا مبادئ

المتابع للحملة الدولية على مدار ثلاثة أسابيع على امتداد القارات الست على وفاة الصحافي السعودي جمال خاشقجي، بزعم الدفاع عن حريات الرأي والتعبير وصون حقوق الإنسان، يكتشف بسهولة أنها صراع على المصالح الخاصة وبعيداً عن أي مبادئ أو قيم.

حملة يزداد صراخها الحقوقي ويعلو يوماً بعد آخر، ليخفي حقيقة انطوائه على مسلسل بالغ البراعة والإتقان والمهارة في الموازنة بين معادلات الربح والخسارة لتحقيق مصالح شخصية ولزيادة جرعات الابتزاز، وتعظيم حجم الاستفادة والمكاسب، حتى لو أدى ذلك إلى تلفيق الوقائع وتشويهها وتسريبها ثم إنكارها، وإشاعة كم هائل من الالتباس بشأنها، لإرباك جميع الأطراف ريثما تنضج كفة المصالح على نار هادئة.

يريدون لنا أن نصدق أن هذه الحملة الدولية التي تحاصرنا أخبارها في كل مكان، نهاراً وليلاً، في منازلنا ومكاتب عملنا على مدار 24 ساعة هي دفاع عن جمال خاشقجي وعن حقوق الإنسان.

يريدون لنا أن نصدق أن تظاهرة تضم مجموعة من المتهمين المصريين في قضايا جنائية وينتمون لتنظيم الإخوان تقودها في إسطنبول، الإخوانية توكل كرمان، أتت إليها من منفاها المخملي بطائرة خاصة، هي دفاع عن الحقوق والحريات.

يريدون لنا أن نصدق أن جماعة الإخوان التي كان خاشقجي أحد أذرعها الإعلامية، تؤمن بالحريات الديمقراطية وبحقوق الإنسان والحيوان، برغم تاريخها الملطخ بالدماء، ومنطلقاتها النظرية التي تؤمن أن الإرهاب والعنف طريق لا بديل له، لفرض سيطرتها على مقاليد السلطة في بلداننا.

يريدون لنا أن نصدق أن قناة الجزيرة الناطقة باسم التنظيم الدولي للإخوان الذي يبدو جلياً دوره في تشديد الهجوم على المملكة وقيادتها، ويكاد إعلاميوها يرقصون طرباً، وهم يهاجمون المملكة العربية السعودية وقيادتها، هو دفاع عن خاشقجي وعن حريات الرأي والتعبير وعن حقوق الإنسان، والنبي إيه؟

ماذا لو كان جمال خاشقجي صحافياً فلسطينياً؟ الإجابة معروفة ومجربة ومألوفة: صمت دولي مطبق ودفاع ممجوج عما يسمونه حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، ومبادرة القيادات الأوروبية لمطالبة الفلسطينيين بضبط النفس، ودعوة الإدارة الأميركية لهم بالعودة لمائدة التفاوض من أجل التفاوض مع الإسرائيليين في مدينة القدس عاصمتهم الأبدية، وغلق لمكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.

وليس ببعيد عن ذاك المشهد أن أكثر من مئتي فلسطيني استشهدوا برصاص جنود الاحتلال الإسرائيلي في تظاهرات العودة السلمية خلال الأشهر الخمسة الأخيرة، بينهم سبعة شهداء من فتيان وشباب فلسطينيين في اليوم التالي لتفجر قضية خاشقجي، ولم نسمع تصريحاً أوروبياً أو أميركياً واحداً ينبه العصابة الإرهابية الحاكمة في تل أبيب، أن القانون الدولي يمنع استخدام الرصاص الحي في مواجهة التظاهرات السلمية.

وليس ببعيد كذلك، اختفاء رئيس الشرطة الدولية -الإنتربول- بعد سفره من مقر عمله في مدينة ليون الفرنسية إلى الصين، في وقت مقارب لتكشف قضية جمال خاشقجي، دون أن تحدث انتفاضة دولية بشأن قضيته، التي تم تجاهلها تماماً، واكتفت فرنسا بالتعبير عن قلقها وحيرتها بشأن الحادث، كي تتفرغ لاتهام السعودية.

هذا المقال، يعد للنشر قبيل إعلان الرئيس التركي أردوغان نتائج تحقيقات أجهزته في القضية، وقبل انتهاء عمل اللجنة الداخلية التي شكلها الملك سلمان للهدف نفسه.

وأياً كانت النتائج، فلا بديل من معاقبة الجناة على جريمتهم، وأن تتخذ المملكة العربية السعودية من الإجراءات الكفيلة بتحصين الجبهة الداخلية ودعم تماسكها ضد الابتزاز، والتوجه نحو بناء تحالفات دولية جديدة لصالح المملكة، بما يفل سلاح السعي لنهب ثروات المنطقة، وتوسيع نطاق الفئات المساندة لخطط الإصلاح والتحديث والتنمية في السعودية، وهي الخطط التي أظن مع كثيرين غيري، أن وأدها ومنع استمرارها، أحد الأهداف الأصيلة لحملات الابتزاز الدولي ضد السعودية.

ولمن يروج أن الحملة الراهنة هي دفاع عن مبادئ العدالة والحرية، نقول له لا تخدعنا ولا تخدع نفسك، لقد مللنا من هذه الشعارات الزائفة.

 

 

 

تعليقات

تعليقات