التعاون الفضائي الروسي - الأميركي

الثقب الذي تم الإبلاغ عنه في مركبة سويوز الفضائية الروسية «إم إس-10» الذي تسبب بإثارة البلبلة، وإطلاق طارئ للمركبة أخيراً، يجب أن يحفزنا على إعادة النظر في حالة التعاون الفضائي بين روسيا والولايات المتحدة.

وعلى الرغم من أن هذا التعاون قد تسبب في العديد من الصراعات الوجودية، بما في ذلك الصراعات في أوكرانيا وسوريا، إلا أن الحقيقة غير السارة هي أن التعاون في مجال الفضاء بين روسيا والولايات المتحدة آخذ بالتدهور منذ سنوات.

وعدم وجود مشاريع مشتركة جديدة بين البلدين منذ أواخر العقد الأول من القرن الجاري، إلى جانب تعميق أزمة انعدام الثقة المتبادل بينهما، ألقى بظلاله على التعاون بين البلدين. وفي الوقت نفسه، تواجه روسيا أزمة في الصناعة الفضائية الخاصة بها.

وما زالت روسيا هي الشريك الوحيد للولايات المتحدة القادرة على نقل روادها إلى محطة الفضاء الدولية، وتمكنت محركات الصواريخ الروسية من تشغيل نظامي الإطلاق الأميركيين أطلس الخامس وأنتاريس. ومع ذلك، فإن كلا البلدين يتعامل في إطار من الاعتماد المتبادل، كما أن وكالة الفضاء الروسية «روسكوسموس»، تعتمد بشكل كبير على العقود التي أبرمتها مع الولايات المتحدة.

فعلى سبيل المثال، تمثل رسوم رواد الفضاء الأميركيين والأوروبيين واليابانيين الذين يستخدمون مركبات الفضاء الروسية سويوز حوالي 25٪ من ميزانية وكالة الفضاء الروسية السنوية (النسبة الباقية 75٪ تأتي من الحكومة الروسية).

ومع ذلك، فإن هذا الاعتماد المتبادل لن يستمر إلى الأبد. سوف تعمل محطة الفضاء الدولية، التي تعتبر حالياً مؤسسة دولية، في نهاية المطاف بصورة تجارية، أو ستنهي التشغيل بعد عام 2025. وفي غضون ذلك، ستستخدم ناسا محطة لونار الفضائية للانطلاق إلى الفضاء، التي تعتبر بوابتها الفضائية، وغيرها من المشاريع. هنا، ستواجه روسيا معضلة وجودية.

ومن الأهمية بمكان أن تواصل موسكو شراكتها الفضائية مع الولايات المتحدة. فبرغم كل شيء، وبغض النظر عن سباق التسلح النووي بين البلدين، فإن هذا التعاون الفضائي هو الذي سيتيح لموسكو الحفاظ على وضعها كقوة عظمى عالمية.

وفي الوقت نفسه، فإن روسيا ليست في وضع يسمح لها بتقديم أي شيء جوهري لأجندة الفضاء الأميركية على المدى الطويل، كما كانت الحال في أوائل التسعينات بخبرتها في رحلات الفضاء المأهولة ومحطاتها المدارية.

علاوة على ذلك، أثبتت صناعة الفضاء الروسية التي تملكها الدولة أنها غير قادرة على إيجاد وسائل للتعاون مع شخصيات معروفة مثل جيف بيزوس، وروبرت بيغلو، وإيلون ماسك وغيرهم، أو لتلبية المعايير الصناعية والتقنية الأميركية المتقدمة.

ومع ذلك، فإن العقبات الرئيسية التي تعترض إجراء مزيد من التعاون بين روسيا والولايات المتحدة في الفضاء الخارجي تكمن في النظام السياسي الروسي الذي يعمل بصورة مناهضة لاقتصاد السوق والمشاريع الخاصة. والغرض منه هو الحفاظ على التسلسل الهرمي السياسي والاجتماعي في روسيا.

من المستحيل الجمع بين استكشاف الفضاء وعمليات التطوير التكنولوجي مع نظام الحكم الذي يمتلك مؤسسات متضخمة. ومع ذلك، هذا ما تحاول موسكو فعله. في الماضي، واجهت روسيا مشكلات مع مركبات الإطلاق الفضائية والأقمار الصناعية والمهام العلمية الخاصة بها.

وتكبدت صناعة الفضاء الروسية خسائر مالية ضخمة. وكان إنشاء وكالة الفضاء الروسية روسكوسموس في 2015، الذي تم فيه دمج جميع صناعات الفضاء تقريبًا، محاولة لحل هذه الإشكالات.

لكن روسكوموس ناضلت من أجل أن تكون فعالة في غياب المنافسين الوثيقين وسط بيئة تبدو فيها الحكومة الروسية مستعدة لإنفاق مليارات الدولارات عليها، حتى تستطيع الحفاظ على وضعها كقوة عالمية.

إن المشكلات الأخيرة في المركبات الفضائية «سويوز» تبدو في نهاية المطاف مجرد تحويل النظر عن المشكلات الوجودية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو عما إذا كانت المحطة الروسية قادرة على حل المشكلات التي تواجهها بنفسها أم لا، وبعد ذلك ما إذا كان باستطاعتها أن تكون شريكًا موثوقًا للولايات المتحدة.

يعتمد التعاون الفضائي بين الولايات المتحدة وروسيا في المستقبل على ما إذا كانت روسيا قادرة على إثبات كفاءاتها وموثوقيتها، وحول توسيع العلاقات الثنائية على نطاق أوسع بينها وبين الولايات المتحدة. وفي النهاية، فإن الحكومة الروسية هي التي ستحدد النتيجة.

 

 

تعليقات

تعليقات