حكاية المولودة ماري روزنتال

حكاية مثيرة للتأمل والإعجاب واستخلاص الدروس، روتها الصحافية المصرية نائلة كامل، لابنتها المخرجة التسجيلية نادية كامل، لتصدر في كتاب، عن دار الكرمة للنشر قبل أسابيع تحت عنوان «المولودة».

والكتاب هو تسجيل غير حرفي لفيلم «سلطة بلدي» الذي أخرجته «نادية كامل» قبل أحد عشر عاماً وتستعيد فيه الأم، بالحكي لحفيدها الفلسطيني، ماضي أسرتها ذات الأصول الإيطالية، وجانباً من تاريخ الحركة اليسارية المصرية، التي تعددت منظماتها في مصر بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت الأم قد بدأت حياتها السياسية في مقتبل العمر، عضواً في إحداها.

وهي تصف دون أقنعة، أو ادعاء زائف بالبطولة، الطرق المعقدة التي اعترضت حياتها داخل أسرة أوروبية لأب يهودي مصري، وأم إيطالية مسيحية، وكيف واجهت تحدي منظومة التأطير الاجتماعي في النظر للجاليات الأوروبية بشكل عام، لاسيما بعد الهزيمة العربية في حرب فلسطين عام 1948، برغم أنها ولدت وعاشت في مصر، وتزوجت مصرياً مسلماً، وابنتاها مصريتان بطبيعة الحال.

فضلاً عن المعركة الشرسة التي خاضتها مع قيم اجتماعية راسخة لتهميش المرأة وتأبيد دونيتها، فما بالك بامرأة اختارت أن تعمل في صفوف الحركة اليسارية المصرية، وتعتقل في العهدين الملكي والجمهوري لتمضي في السجن سبع سنوات كاملة.

أصبحت «ماري روزنتال» ـ الاسم الأصلي للأم ـ هي نائلة كامل الصحافية صاحبة الباب الأسبوعي في مجلة «حواء» تتابع من خلاله تطورات الحركة النسائية العالمية، ومدى تأثر النساء العربيات وحركتهن بها. وقد اكتسبت ماري اسمها بالزواج من الكاتب اليساري «سعد كامل» وأعلنت إسلامها.

يكشف الكتاب الجهد الجبار الذي بذلته ماري مع نفسها لمواجهة العزلة التي فرضتها عليها ظروف السجن القاسية التي حملت أسرتها أعباء غير متوقعة من ناحية، ومع الإحساس بالذنب تجاه جانب من أسرتها أجبر على المغادرة من مصر بعد حرب 1956، وعودة والدها ووالدتها وشقيقها للعيش في إيطاليا من ناحية أخرى، والتكيف من ناحية ثالثة مع ظروف أسرتها الصغيرة الصعبة ومساندتها لها أثناء فترات الاعتقال المتكرر لزوجها.

والعيش في ظل رقابة يومية أمنية مكثفة، وفصل الزوج، لأسباب غير معلومة من مؤسسة الثقافة الجماهيرية.

وكانت المؤسسة هي الصرح الذي أسسه سعد كامل في بداية الستينيات من القرن الماضي، وانتشرت مراكزه في كل القرى المصرية، تزرع التنوير، وتنقب عن المواهب وتدفع بها إلى ساحات الضوء والتحقق، وقد سطت التيارات الدينية المتطرفة بعد موت عبد الناصر، على تلك المراكز، لتغزو المجتمع من خلالها ويجري التدريب بداخلها على القتل وتصنيع أدواته.

ولأن المولودة ماري روزنتال تروي الحكاية في شيخوختها قبل رحيلها، فكان من المتوقع التداخل الذي جرى أثناء السرد بين التواريخ وبين الأشخاص، وبين الوقائع، وبين الخيال.

ولأن الحكاية تروى بالعامية المصرية التي لم تكن الراوية تتقن سواها، فقد تجاوزت صدمة ذلك بالمعاني الثرية الأخرى التي حفل بها الكتاب، وفي القلب منها، أن سردها قد خلا من أية مرارة، برغم صروف الدهر وأهواله في مسيرة حياتها.

امتلكت نائلة كامل النضج الثقافي والفكري لتلتقط عيوب التحزب الإيديولوجي الذي يمنعها في بداية حياتها من استكمال دراستها الجامعية لأنها كما قالوا لها «نمط حياة برجوازي»، ويجبرها على الزواج وهي شابة صغيرة من زميل لتتمكن من الاختفاء من ملاحقة الشرطة لها في بيته، والتدني في الأسباب التي تسوقها إليها لفصل الأعضاء وحدوث الانشقاقات داخل الأحزاب اليسارية، لتضع أمام الأجيال الجديدة التاريخ المأساوي للتعصب والأدلجة أياً كان مصدرها.

يعكس الكتاب شخصية امرأة قوية غير قابلة للانكسار، شكلت بداخلها قوة نفسية غير عادية، لتختار حياتها من الأول للمنتهى، غير عابئة بأشكال مضنية من الضغوط، وامتلكت القوة على نقد الفصائل السياسية التي انتمت إليها، لتكشف بجسارة أحد مآزقها، وممارساتها الصبيانية والمريضة، وبات يحق لها أن تقول إنها عاشت مرفوعة الرأس موفورة الكرامة.

 

 

 

تعليقات

تعليقات