ترميم صورة العربي

كثيرون شغلوا بالهم على مدار عقود مضت بـ«صورة العربي» لدى الغرب. فبين راكب للجمال في الصحراء، لفقراء مساكين لا حول لهم أو قوة، أو أثرياء أساطين لا ضابط لهم أو رابط، لـ«بلاي بوي» لا يدخر مالاً أو وقتاً لنيل الملذات، لنساء مقهورات مقموعات لا كيان لهن أو خاطر دارت الصور النمطية والنماذج المكررة المحفورة في أذهان الغرب.

لكن الغرب تغير وتطور، وبات أكثر تدخلاً وتداخلاً في هذا الجزء من العالم. ومنه من بات يعرف أن «العربي» لا يركب الجمال بالضرورة في الطريق إلى العمل، وأن الشعوب هنا شأنها شأن غيرها، بينها الفقير والغني والمتعلم ومن فاته القطار. ورغم ذلك ظلت الشعوب الغربية بعيدة عن فهم طبيعة المنطقة العربية وسكانها.

وقد سكنت غالبية العرب إلى استمرار الحال على ما هو عليه من صور نمطية تختلط بتداخلات غربية تجعل الصورة أكثر وضوحاً مع بقاء الشعوب على تباعدها الفكري والثقافي. لكن جد في الأمور جديد، ووجد الغرب نفسه في مواجهة مباشرة مع «صورة العربي» في عقر داره، حيث موجات الهجرة والنزوح، وهي الموجات المتزامنة والربيع العربي المتحول شتاءً قارساً.

وقد شاءت الأقدار أن تتعقد الأحوال وتتفاقم الأمور ولا يجد هذا الغرب أمامه من صوت وصورة قادمين من المنطقة العربية المبهمة إلا عبر شاشة «الجزيرة» الناطقة بالإنجليزية. ووقعت الملايين في فخ الصوت المألوف إنجليزياً والصورة الرائعة مهنياً مع وجه (اتضح إنه قناع) وقلب (اكتُشِف إنه غدار) تقدم له الأحداث العربية كما لم تُقدم من قبل. وعرف العرب – أو فلنقل بعضهم - أن هذه الشاشة ومحتواها ما هو إلا جزء من محاولات الهدم وإعادة تشكيل شرق أوسط جديد بمعايير لم يضعها أصحابه بل أعداؤه.

وزاد طين «الجزيرة» بلة «داعش» وأبناء عمومته من جماعات متطاحنة ترفع راية الإسلام وهو منها بريء. وباتت «صورة العربي» والمنطقة وسكانها في العقد الثاني من الألفية الثالثة لا تخرج عن إطار أربعة نماذج لا خامس لها: معتوهون ملثمون يذبحون باسم الدين وينتهكون باسم الشرع. مهاجرون يركبون البحر أو يعبرون الحدود بالآلاف هرباً من جحيم بلادهم المشتعل بفعل ما يسمى «الربيع». مدعون بأنهم يتحدثون باسم الشعوب العربية في أميركا وبريطانيا وألمانيا وغيرها بينما هم أعضاء وكوادر جماعات إجرامية فكراً وفعلاً. وملايين من العرب لا صوت لهم لكن تدعي «الجزيرة» إنها صوتهم وصورتهم.

دراسات عدة أجريت قبل سنوات ما يسمى بـ«الربيع العربي» على صورة العربي في الغرب. بعضها كان منصفاً، حيث اعترف بأن التعميم ليس عادلاً، وأن التركيز على النماذج المتطرفة أو الخارجة على القانون هو اقتطاع وانتقاء من الصورة الكاملة، لكن البعض الآخر عمد إلى مزيد من التشويه والتنميط.

وما شيوع التنميط إلا نتيجة طبيعية لعزوف أصحاب الشأن عن التحدث عن أنفسهم بأنفسهم. ويزداد الضرر باقتصار الصورة على ما تقدمه شاشات ظاهرها مهنية وحرفية، وباطنها سموم ومخاطر.

المخاطر التي يطرحها انفراد المنصات المسمومة بآذان الغرب وعيونه أعمق وأفدح من تلك التي كانت تنبهنا إليها دراسات الثمانينات والتسعينات وحتى اندلاع ما سمي بـ«الربيع» عن صورة العربي في الغرب. قالوا في دراساتهم واستقصاءاتهم إننا «غريبو الأطوار» أو «قساة القلوب» و«منغلقون» أو«نعاني الازدواجية». وظهرنا في أفلامهم «مهربي آثار» و«باحثين عن متع» و«غارقين في ماض». لكن كل ما سبق من صور مغلوطة وأنماط معوجة قابل للإصلاح والترميم عبر إمكانات الشاشات الفضية منها والذكية.

ذكاء العرب حتماً يؤهلنا لاستفادة قصوى مما بين أيدينا من تقنية معلومات وسموات مفتوحة. والدروس المستفادة على مدار السنوات السبع الماضية تكفي وتزيد لأن تضعنا على أول الطريق الصحيح، شرط أن ننطلق بسرعة الصاروخ. ولدينا ركيزة علمية طيبة تخبرنا أن الغرب يتشوق لمعرفتنا، وأن المعرفة المتوفرة لديه إما موجهة ومؤدلجة، أو سطيحة ومنمطة، أو رديئة ولا تجذب انتباهه.

انتباه الغرب لهذا الجزء من العالم بعيداً عن «داعش» وجماعات الإتجار بالدين ومجموعات ادعاء امتلاك الحقيقة أو ادعاء المظلومية - يحتاج إلى خطاب إعلامي صادر عنا ويليق بنا ويتحدث لغة الغرب الفكرية والذهنية. داهمنا الوقت ولن نتمكن من انتظار مستشرق يأتي ويسجل ملاحظاته وينقل انطباعاته، آملين أن تكون إيجابية. كما لم نعد نملك رفاهية تجاهل وجود عوالم أخرى غير العالم العربي، تؤثر فينا ولا نؤثر فيها إلا قليلاً، تتحكم في مصائرنا ولا نملك سوى الدعاء عليها. وبالطبع لم يعد في الإمكان السكوت على ما يبثه غيرنا من سموم فضائية وعنكبوتية تتسلل إلى الأجساد وتنتشر وتتوغل فيها بينما نحن نيام. صورة العربي تستحق منا الكثير.

* كاتبة صحافية مصرية

تعليقات

تعليقات