في أعقاب المحادثات التي جرت بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي في نيودلهي مؤخراً، وقعت روسيا والهند نحو عشرين اتفاقية بمليارات الدولارات. وتشمل الاتفاقيات على وجه الخصوص عقداً لبيع منظومة إس-400 للهند وبناء مفاعلات كهروذرية بتقنية روسية، فيما وصف بوتين العلاقات بين الجانبين بالاستراتيجية.
قد يبدو من المنطقي بالنسبة للهند أن تشتري شحنة كبيرة من الصواريخ الاستراتيجية المضادة للطائرات من طراز S-400 لتشكل قاعدة لنظام دفاع جوي/ فضائي وطني مستقبلي. لكن الولايات المتحدة هددت بفرض عقوبات على الدول التي تشتري أسلحة روسية جديدة.
فقد فرضت واشنطن مؤخراً عقوبات على الصين لشراء شحنة من هذه الصواريخ الحديثة ومقاتلات إس يو-35. ويمكن تفسير عملية الشراء المخطط لها في واشنطن كتحد لها. وكانت الهند شريكة روسية (سوفيتية) كبرى منذ حصولها على استقلالها عن بريطانيا، والمستهلك الرئيسي للأسلحة الروسية وتكنولوجيا الدفاع.
وتقول الهند إنها ستطلب من واشنطن تنازلاً خاصاً عن العقوبات، لكن الولايات المتحدة قالت في وقت سابق إنها لن تفعل ذلك بالضرورة. والسؤال المطروح هو: هل ستعزز العلاقات بين الهند وروسيا دق إسفين بين نيودلهي وواشنطن؟
وتعد هذه سابقة للعقوبات الأميركية على الدول التي تتعامل مع قطاع الدفاع الروسي. لكن المسؤولين الهنود أوضحوا أن بلادهم أبلغت الولايات المتحدة عندما جاء مسؤولو دفاعها إلى الهند بأن المتطلبات الأمنية الهندية تبرر هذا الارتباط مع موسكو. وأن الهند تحاول دفع الولايات المتحدة لمراجعة سياستها الداخلية، ولكن ما إذا كانت ستنجح أم لا ستبقى قيد النظر.
ويرجع تاريخ العلاقات بين موسكو ونيودلهي إلى أيام الحرب الباردة. وقد تم الارتقاء بالعلاقة الثنائية بين الهند وروسيا إلى الشراكة الاستراتيجية الخاصة والمتميزة في عام 2010. وروسيا تعتبر الآن أكبر مورد للأسلحة إلى الهند، حيث إن 70٪ من معدات الدفاع الهندية من أصل روسي، وفقاً لوزارة الدفاع الهندية.
بعد انسحاب الاتحاد السوفييتي من أفغانستان وانهياره في نهاية المطاف، بدأ توازن القوى في آسيا في التحول: فأصبحت الصين شريكاً استراتيجياً وثيقاً بشكل متزايد لروسيا، في حين تحسنت العلاقات بين واشنطن والهند بشكل مطرد. وتحولت الولايات المتحدة إلى مورد رئيسي للأسلحة إلى الهند، حيث عادت روسيا إلى السوق الذي طالما اعتبرته أمراً مفروغاً منه. وشعرت بأنها خسرت الهند، ولم يكن هذا مجرد خسارة المليارات في صفقات الأسلحة المربحة التي كانت تبرمها مع نيودلهي.
ولايزال المثلث الاستراتيجي بين بكين ونيودلهي وموسكو، الذي روج له رئيس الوزراء الروسي السابق يفغيني بريماكوف في التسعينات، كطريقة لثلاث دول آسيوية كبرى لتحقيق الاستقرار في القارة والحد من التأثير الهائل للقوى الخارجية، وفي المقام الأول الولايات المتحدة.
ويُنظر إلى «بريكس» على أنها تمهيد محتمل لحلف ثلاثي مشابه، وقد ضغطت موسكو بقوة على توسيع المنظمة الاقتصادية والأمنية لمنظمة شانغهاي للتعاون لتشمل الهند مع باكستان كطريقة أخرى للتحرك في الاتجاه الاستراتيجي نفسه.
ويعتبر المراقبون جهود واشنطن لبناء علاقات اقتصادية وعسكرية مع الهند على أنها خطط استراتيجية طويلة المدى غير مرغوبة بها في موسكو إلى حد كبير، على الرغم من أنها قد تكون مقصودة في الغالب كترتيب مضاد للصين. وقد أمل بوتين خلال زيارته في تحقيق تعزيز كبير مع نيودلهي في مختلف مجالات التعاون.
الرهانات عالية. إذا تابعت الولايات المتحدة فرض إجراءات عقابية على الهند لتوقيعها صفقات أسلحة كبيرة مع روسيا، فإن العلاقات الأميركية الهندية يمكن أن تعاني بشدة، وقد تحصل موسكو على مكاسب مضاعفة: عوائد بمليارات الدولارات من تجارة الأسلحة مع الهند، وتقويض النفوذ الأميركي في شبه القارة الهندية، التي نمت بشكل مطرد في السنوات الأخيرة.
ومع ذلك مرت العلاقة الوثيقة بين موسكو ونيودلهي ببضع عقبات في السنوات الأخيرة. ويقال إن الهند تزيد من وتيرة التبادلات رفيعة المستوى مع موسكو لتكريس التزامات جديدة لهذه العلاقة.