أيام الزهو والأمل

تعد السنوات الثلاث من يونيو 1967 وحتى 8 أغسطس عام 1970 هي فترة الاستعداد الفعلي للنصر الذي جاء في السادس من أكتوبر عام 1973، ويحتفل العرب هذه الأيام بذكراه الخامسة والأربعين. وفي تلك السنوات الثلاث تكثفت عمليات الجيش المصري على جبهة قناة السويس، وطالت تلك العمليات القوات الإسرائيلية داخل سيناء، وامتدت للضفة الغربية للقناة حيث يتمركز جيش الغزاة.

أطلق الزعيم جمال عبد الناصر على هذه الفترة «حرب الاستنزاف» ووضع لها أهدافا واضحة تتمثل في إعادة هيكلة الجيش وتدريب الجنود في ساحة المعركة حيث تتم المهمتان في وقت واحد، بما يرفع الكفاءة القتالية لجنود الجيش، ويكشف في الوقت نفسه عن الإمكانيات التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي، وقدرات جنوده القتالية، بجانب السعي لاستباق الهجوم ضد أي عدوان إسرائيلي محتمل، والاستعداد لمراحل الهجوم النهائي بالعبور للضفة الغربية للقناة وتحرير سيناء من الاحتلال الإسرائيلي.

كبدت حرب الاستنزاف إسرائيل خسائر فادحة في المعدات والأرواح باعتراف صحفها وقادتها، ليس فقط بسبب الإرادة السياسية الحاسمة للقيادة المصرية بمحو النتائج التي خلفتها هزيمة 1967، ولكن أيضا لبسالة جنود الجيش المصري، وابتكاراتهم الخلاقة التي ساهمت في تقليل خسائر الجانب المصري وبفضل المساندة العربية الداعمة للقرار المصري في تلك الحرب، التي وصفت بأنها أطول الحروب في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي منذ نكبة العام 1948.

وشكلت قمة الخرطوم العربية التي عقدت في نهاية أغسطس عام 1967، بعد ثلاثة أشهر فقط من الهزيمة، أحد أهم أوجه الدعم العربي لخطة جمال عبد الناصر لتحرير الأرض، برفضها الاعتراف أو الصلح أو التفاوض مع إسرائيل قبل عودة الحقوق العربية. وتدفقت على إثر تلك القمة المساندة العربية لتحديث معدات الجيش المصري من الجزائر ودول الخليج العربية والسودان والعراق.

شكل عبد المنعم رياض والفريق محمد فوزي طاقم القيادة العسكرية الجديدة، الذي عينه جمال عبد الناصر يوم 11 يونيو 1967 ليشرف تحت قيادته على إعادة بناء الجيش المصري، فتولى الأول رئيس هيئة أركان الحرب، ليصبح بذلك الرجل الثاني في الجيش بعد الفريق فوزي الذي بات قائدا عاما له.

ووسط مناخ عربي موحد للتضامن والمساندة والتمسك بقرار مجلس الأمن 242 الملزم بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلتها، تمكن عبد المنعم رياض من إعادة الانضباط للجيش، وتدريب وحداته على الفنون العسكرية الحديثة، وتحت قيادته لحرب الاستنزاف نجحت قوات الصاعقة في التصدي للمدرعات الإسرائيلية، ومنعها من احتلال مدينة بور فؤاد الواقعة على قناة السويس، في معركة «رأس العش» الشهيرة في الأول من يوليو 1967.

وفي منتصف نوفمبر من العام نفسه، قامت الضفادع البشرية المصرية بنسف الرصيف الحربي لميناء إيلات الإسرائيلي وتدمير سفينتين حربيتين للإمداد والشحن فيما بات يعرف بمعركة «المدمرة إيلات». ونجحت حرب الاستنزاف في تدمير جزء كبير من خط بارليف، وإسقاط عدد لا يستهان به من الطائرات الإسرائيلية. وفي هذه الأثناء أعد عبد المنعم رياض الخطة التي سميت «جرانيت» وكانت أساسا لخطة النصر في حرب أكتوبر.

وفي التاسع من مارس 1969 كان عبد المنعم رياض يتفقد مسرح العمليات على جبهة القناة، وواصل السير حتى الخطوط الأمامية لهذا المسرح ليتفقد جنوده، فأدى انفجار مدو من مدافع العدو إلى استشهاده، ولم يكن قد أكمل بعد عامه الخمسين. وتصدر الرئيس جمال عبد الناصر الجموع الغفيرة التي خرجت لتودع في جنازة مهيبة، القائد الشجاع الذي استشهد في جبهة القتال وسط جنوده وهي تبكي وتنشد الأناشيد المطالبة بمواصلة طريقه لتحرير الأرض واستعادة الكرامة.

استعادة هذه الصفحات من التاريخ العربي المعاصر، تبعث في وجدان كل عربي شعورا بالزهو بعروبته، وثقة في أن الأمة قادرة على أن تفعل ما تشاء إذا أرادت، وأملا في أن زمن التحكم الاستعماري في مسيرها ومصيرها والاستهانة بقدراتها قد ولى.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات