المعرفة ووهمها على أثير العنكبوت

منظومة «السداح مداح» ما كان لها أن تستمر أكثر من ذلك. وفتح الأبواب على مصاريعها دون ضابط أو رابط لم يعد ممكناً. أما لماذا حانت اللحظة الفارقة والخطوة الثاقبة الآن وليس أمس؟ لأن من لحق بهم الضرر، وطالهم الأذى أخيراً هم القادرون على معاودة تأمين الأبواب والتحقق من هوية القادمين والذاهبين.

وقد ذهبت السلطات في ولاية كاليفورنيا قبل أيام إلى مطالبة كل من «فيسبوك» و«تويتر» الكشف عن هوية ممولي الإعلانات السياسية والقيمة المادية لها، وذلك للتعرف إلى قوة التأثير على الناخبين. ولأن الولايات المتحدة الأميركية لسعتها نيران روسية أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فإن العمل يجري على قدم وساق لـ«تنقية» مواقع التواصل الاجتماعي مما قد يشوبها من توجيهات مموهة هنا أو غسل أدمغة هناك أو دس سم استخباراتي في عسل دمقرطة المعلومات هنا وهناك. لكن هذه الإجراءات ومثيلاتها تحدث هناك في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس والمقررة في شهر نوفمبر المقبل.

وهي إجراءات تجري على قدم وساق منذ شهر مايو الماضي، حين أعلن موقع «تويتر» عن سياسة جديدة تشير بشكل واضح إلى الإعلانات السياسية على منصته، و«فيسبوك» الذي قرر انتهاج سياسة تفرض التحقق من هويات دافعي كلفة المنشورات السياسية. المثير أن كلا الموقعين بات يصنف الإعلانات التي تتطرق إلى قضايا وموضوعات تحتمل النقاش والخلاف، أو تلك التي تتعلق بانتخابات باعتبارها «إعلانات سياسية».

وعلى الرغم من الصعوبة القصوى في التفرقة بين التغطية السياسية المحترفة وبين الإعلانات السياسية – ما ظهر منها وما بطن، إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي ماضية قدماً في الضبط والربط. فما «يقال» إنه حدث في الولايات المتحدة الأميركية من تلاعب مدروس، وتحكم من على بعد، وتلاعب بحرفية ومهنية بمشاعر وتوجهات ملايين الناخبين الأميركيين إبان الانتخابات الرئاسية، تم من دون ذكر اسم مرشح بعينه.

ومن عدم ذكر مرشح بعينه هناك إلى الخوض في أغوار مرشحين بأعينهم وتوجهات من دون غيرها وجماعات ومجموعات معروفة بأسمائها وأيديولوجياتها هنا في هذا الجزء من العالم، نسأل أنفسنا: وماذا عن الإعلانات السياسية على مواقع التواصل الاجتماعي في عالمنا العربي؟

العالم العربي من محيطه إلى خليجه مازال يقاوم الكثير من محاولات الهدم والتفتيت والتفريق. وإذا كانت نيران «داعش» وحروق الجماعات التي اتخذت من الدين ستاراً، وشرارات المجموعات المفتئتة على هذه، وتلك قد خمدت إلى حد كبير وهمدت لحين إشعار آخر، فإن خيوط العنكبوت لا تعرف للنوم طريقاً أو للسكون سبيلاً.

سبل معاودة القفز على منطقتنا لن تتوقف. وهي إن توقفت عن المجيء الفعلي عبر الحدود الجغرافية، فلن تتوقف عن الاقتحام العنكبوتي، هذا السهل الممتنع، الخطر المقنع. ولأن زمن المنع والحجب ولى ودبر، وإجراءات الإغلاق والتضييق (ولو كانت بغرض الحماية والوقاية) تواجه منافسة شرسة من تحركات الفتح على المصاريع، فإن السبيلين الوحيدين هما التوعية المنزهة عن الأغراض الشخصية والمكتسبات السياسية، والتعلم - سواء الذاتي أو الجمعي - الموجه نحو مزيد من المعرفة والقدرة على التفرقة بين ما يعبر عن فكرة أو يعكس رأياً أو ينقل خبراً، وآخر يحمل توجيهاً سابق التعليب والتجهيز.

البعض يجهّز نفسه هذه الآونة عبر البحث والتقصي في أغوار الشبكة العنكبوتية. البحث الواعي والمدرك قد يؤدي إلى معرفة أصل وفصل المحتوى المنشور. لكن علينا أن نأخذ في الاعتبار أن سياسة «فيسبوك» الجديدة في الإشارة بشكل واضح إلى أن المنشور إعلان سياسي مازالت تقتصر على الولايات المتحدة الأميركية.

وحسناً فعلت هيئة تنظيم قطاع الاتصالات في دولة الإمارات باتخاذها خطوات لتوعية مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي العنكبوتية بسبل الاستخدام الآمن تحت عنوان «لا يخدعونك»، لا سيما في ضوء الانتشار غير المسبوق عالمياً لمحتوى عنكبوتي يحمل الكثير من السب والإساءة والكراهية والخطورة والشائعات والأخبار المفبركة. هذه خطوات بالغة الفعالية لا سيما وإنها تتخذ من المنصات نفسها التي تحمل شبح الخطورة نقطة انطلاق لجهودها للتوعية.

جهود توعية مشابهة تم اتخاذها في مصر، حيث برامج وتنويهات موجهة للتعريف بالشائعات العنكبوتية وسبل انتشارها وانشطارها وآثارها المدمرة وسبل مواجهتها من قبل المواطنين.

ورغم أن هذه الجهود مازالت بعيدة بعض الشيء عن مجال مواجهة التوجيه الأيديولوجي، وغسل الدماغ عبر الدق على أوتار نفسية وذهنية واجتماعية، والإعلان السياسي المبطن (حتى وإن كان غير مدفوع)، إلا أن تزويد مستخدمي الشبكة العنبكوتية بأدوات المعرفة وتمكنهم منها لن يقتصر استخدامه على مجال دون آخر.

يقولون إن «العدو الأكبر للمعرفة ليس الجهل، لكنه وهم المعرفة». ونحن نزيد أن المعرفة تدوم وتنتشر وتتوغل، وكذلك وهم المعرفة.

 

 

طباعة Email