في أعقاب حادث إسقاط الطائرة الروسية ومقتل 15 جندياً روسياً كانوا على متنها، الذي وقع في سوريا في 17 سبتمبر، قررت روسيا إرسال أنظمة الصواريخ إس-300 لما وصفه الكرملين بأنه «إجراء لحماية القوات الروسية هناك، وليس موجها ضد دول ثالثة».

أيا كان السبب الحقيقي، فإنه يعتبر ردا على ما حدث في 17 سبتمبر. وكما هو متوقع، قرر الرئيس بوتين الموافقة على تقييم وزارة الدفاع. ولا تزال تل أبيب تزعم أنها لم تفعل شيئًا خاطئًا وأنها ستستمر في التقيد بـ «الخطوط الحمراء» في سوريا.
ومع ذلك، وعلى الرغم من الخطابة الشديدة، فإن هذا يغير بالتأكيد قواعد اللعبة بالنسبة لإسرائيل في سوريا. إذ لم يعد لها الحرية في التصرف بحرية كما فعلت من قبل هذا الحادث.
كان لدى الرئيس الروسي بوتين العديد من الخيارات المتاحة له للرد على التصرفات الإسرائيلية، حيث كان يتبنى جانب الاعتدال.
منذ عام 2013، طلب الإسرائيليون من روسيا ألا ترسل أنظمة الصواريخ إس-300 إلى سوريا وقد امتثل الروس للأمر. لكن موسكو قررت أخيرا تسليمها قريبا بعد إلحاق الأذى بكرامة الجيش الروسي في سوريا.
وكان الكثيرون في روسيا يأملون ويتوقعون أن يسلم بوتين أنظمة الصواريخ إس-300 إلى سوريا منذ بعض الوقت ويوبخ الإسرائيليين، خصوصا بعد الضربة الأخيرة لإسرائيل ولوقف التوتر المتصاعد في سوريا..
ومع ذلك، فإن ما أثار صدمة الكثيرين في روسيا، أنه لم يفعل ذلك في السابق. فبدلا من توبيخ الإسرائيليين، فضل اختيار الطريق الدبلوماسي.
وكان بوتين قد دعا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للمشاركة في فعاليات يوم النصر في 9 مايو الماضي إلى جانب الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش في اجتماع تم التخطيط له مسبقا، كما شارك رئيس الوزراء الإسرائيلي في احتفالات 9 مايو، وهي أهم عطلة في روسيا (باستثناء ليلة رأس السنة الجديدة).
وفي اجتماعهما، أشاد نتنياهو بالرئيس الروسي ومتانة العلاقات الروسية الإسرائيلية وشكره على دعوته للمشاركة في هذه المناسبة. وتم الاتفاق أيضاً على عدم إرسال روسيا منظومة الصواريخ الدفاعية إس-300 إلى سوريا - وهو ما كان يأمله الإسرائيليون.
لهذا، تعرض الرئيس الروسي لانتقادات في الداخل لأنه سمح لرئيس الوزراء الإسرائيلي باستغلاله، على أرض الوطن في واحدة من أهم أيام العطل. وهذه الانتقادات تتماشى مع التنديدات السابقة التي تعرض لها الرئيس الروسي في روسيا نفسها.
وهكذا، كان قرار بوتين بتسليم أنظمة الصواريخ إس-300 بمثابة رد فعل على عدة أنشطة قام بها الإسرائيليون في المجال الجوي السوري، حيث طالب الرئيس الروسي نتنياهو في وقت سابق بإيقافها، وحذرت وزارة الدفاع الروسية الإسرائيليين من تعريض مصالح روسيا في سوريا للضرر.
بكل المقاييس، هذه استجابة معتدلة لما حدث أخيرا بسبب سلوك إسرائيل العدواني، وهي ستجعل الإسرائيليين يفكرون مرتين عندما يقررون شن هجمات جديدة في سوريا.
إن استقرار المنطقة هو في مصلحة إسرائيل، وسيؤدي أي اتفاق سلام مع الفلسطينيين والدول المجاورة إلى تهميش الإرهاب.
ومهما قررت الحكومة الإسرائيلية، فإن الخطوة الأخيرة لروسيا تغير الاستراتيجية والسياسة الإسرائيلية تجاه سوريا ولبنان. وإذا كان أي طرف يرفض هذا الاعتقاد، فإنه إما واهم أو أنه يعتقد أن كل شيء تقوله الحكومة الإسرائيلية الحالية له قيمته في الظاهر.
وعلى أية حال، فإن لدى إسرائيل فرصة في استخدام قوتها الدبلوماسية وليس قوتها العسكرية. ربما يكون تسليم أنظمة الصواريخ إس-300 من روسيا أمراً جيداً. إذا كانت إسرائيل تريد السلام على طول حدودها، فسيكون من الحكمة الاستفادة الكاملة من هذه الفرصة الدبلوماسية. سيكون خطأ استراتيجياً إذا تغاضت عن ذلك وأهدرت فرص السلام، والأمر متروك لها.
*كاتب في صحيفة «سي جي تي إن»