حكمة فورست جامب الغائبة

يعد فيلم «فورست جامب» واحداً من أشهر وأهم الأفلام الأميركية خلال الربع قرن الأخير. يروي الفيلم قصة الشاب الأميركي فورست جامب، الذي يعاني من شلل الأطفال، وانخفاض كبير في مستوى الذكاء خلال الفترة منذ مولده عام 1944 وحتى 1982.

والده سماه كذلك نسبة إلى جده الذي كان من بين زعماء منظمة عنصرية إرهابية هي (الكو كولاكس كلان ). وبعد ولادته اختفى الأب نهائياً، تاركاً ابنه وأمه في منزل فاخر مليء بالغرف الفارغة، فتتولى تربيته من تأجير غرف البيت لعابرين من الغرباء، يحدوها الأمل، أن تصنع من هذا الابن شخصاً مميزاً.

لكن الأمل يصطدم بواقع مؤلم، إذ لا يكف زملاء الابن عن السخرية منه والتهكم على عجزه وغبائه، وحين يهرب من قسوتهم يلاحقه أحدهم بسيارته، فيأخذ فورست في العدو ثم الجري بسرعة لاهثة تؤدي إلى تكسر الدعامات الخشبية التي كان يستند إليها أثناء السير، ويظل منذ تلك اللحظة يجري بلا هدف، سوى الخوف من عالم قاس لا يفهمه.

وتستجيب الصدف وحدها لأمل الأم، وحين يخترق فورست ملعباً للبيسبول، تلفت سرعته الخارقة في الجري نظر مدرب الفريق، فيضمه إليه، ليصبح فيما بعد واحداً من ألمع لاعبي الفريق. وتحوله الصدفة مرة أخرى إلى بطل من أبطال حرب فيتنام.

وحين يقلده الرئيس نيكسون وسام البطولة في الحرب، يسأله عن مكان المعركة الذي أصيب بها، فيفهم السؤال بشكل خاطئ، ويستدير، ليكشف للرئيس مؤخرته وهو يشير إلى مكان الرصاصة التي أصابته.

وتتوالى الصدف لتصنع من ذلك الغبي الذي لا يملك أية موهبة سوى الجري بلا هدف، أيقونة للنجاح الأميركي.

يهزم منافسه الصيني في لعبة البنغ بونغ، فتعرض عليه إحدى الشركات استغلال اسمه للدعاية لمضارب اللعبة التي تنتجها، فيصبح ثرياً من جراء ذلك.

يشتري مركباً لصيد الجمبري لأحد أقرانه من ذوي الإعاقة الذهنية مثله، فتهب كارثة طبيعية لتحطم مراكب الصيد لأصحابها ممن أفنوا عمرهم في العمل بها، فيقع في الشبكة التي يصطاد بها كميات لا حصر لها من الجمبري، ويصبح بسبب كارثة طبيعية مليارديراً وتكبر ثروته وتتراكم أرباح شركاته التي لا يعرف عددها أو أسماءها.

ولأن المجتمع يقوم على الاستهلاك والدعاية والكذب، فحين يعود إلى ممارسة هوايته في الجري بلا هدف، يصطنع له بعض فئات المجتمع أهدافاً لا تخطر على ذكائه المحدود، كالقول إنه يجري احتجاجاً على التفرقة العنصرية وضد التجارب الذرية.

وينضم إليه عشرات الآلاف من الأميركيين من مختلف الولايات للجري مثله بلا هدف. ويحول النظام الاستهلاكي السائد كل تصرف غبي يقوم به فورست إلى ماركات تجارية تضاعف ثروته التي تتضخم دوماً دون أدنى جهد منه.

ويلتقي بصديقته جيني بعد أن كانت هجرته للانضمام إلى جماعات الهيبز بحثاً عن الحرية ورفضاً للمشاركة في حرب فيتنام، لكن تلك الحياة قد انتهت بها ـ كما انتهت بهم - إلى الضياع بما خلفته لهم من تعاسة وأمراض قاتلة.

وفي اللقاء تخبره جيني بأن لديه ابناً منها يبلغ 5 سنوات وأنها أصيبت في فترة ضياعها بمرض الأيدز، وأن طفلهما سليم، ولم يرث غباء والده ولا شلل أقدامه، وتترك الطفل لأبيه وتموت.

رأيت الفيلم مؤخراً في ندوة تتحدث عن الدور الذي تلعبه السينما في الارتقاء بوعي الناس، وفي نقد النموذج الأميركي في الحياة الذي تم الترويج له بعد الحرب العالمية الثانية، باعتباره النموذج المثالي الذي ينبغي فرضه على العالم، وفي نجاحه بالتنبؤ بأن تلك السياسات الملفقة والاستعمارية للنظام الأميركي غير قابلة للدوام، وغير قادرة على الانفراد بقيادة العالم.

وبرغم أن هذه هي المرة الثانية التي أرى فيها الفيلم، لكن هذه هي المرة الأولى التي أجد فيها أوجهاً للشبه بين الفيلم وبين كتاب المفكر الأميركي "هوارد زن" عن التاريخ الشعبي للولايات المتحدة، الذي يكذب الروايات الرسمية عنه.

ولو أن الرئيس الأميركي ترامب بذل جهداً قبل أن يلقي خطابه في الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة برؤية هذا الفيلم، لربما أعاد النظر في حربه على حرية التجارة الدولية، وعقوباته التي لا تستثني سوى إسرائيل، ولأدرك أن العالم تغير، وبات متعدد الأقطاب، وأن أقطابه الجديدة تتفوق عليه، وأن القوة الباطشة، لا مكان لها في بناء ذلك العالم.

وتلك هي حكمة "فورست جامب" إن تم إدراكها!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات