دور الأسرة في تحقيق الأمن الإلكتروني

إن العالم الإلكتروني اليوم بفضائه الواسع أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، بتطبيقاته المتنوعة، واستخداماته المتعددة، وغزوه لمختلف المجالات، وخاصة عبر أجهزة الحواسيب والهواتف الذكية، مع ما يعج به هذا الفضاء الإلكتروني من إيجابيات وسلبيات، ومن تحديات وأخطار، مما يحتم غرس الوعي الرشيد لحسن استثمار هذا الميدان، وتلافي سلبياته وأخطاره.

وقد أصبح تحقيق الأمن الإلكتروني اليوم ضرورة عصرية، مع توسع مجالات الاستفادة من الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، ولذلك تتسابق الدول لتعزيز أمنها الإلكتروني، لحماية مؤسساتها وأفرادها، وقد تميزت دولة الإمارات برؤيتها الاستباقية في هذا المجال، وتقدمت على كثير من الدول، فأصدرت القوانين والتشريعات اللازمة لضمان الأمن الإلكتروني وسلامة المستخدمين، كما نظمت المؤتمرات والندوات لتوعية المجتمع بضرورة الاستخدام الآمن للإنترنت.

ويتأكد في هذا الإطار دور الأسرة في تحقيق الأمن الإلكتروني، باعتبارها نواة المجتمع والحاضنة الأولى للأجيال، وباعتبار تحقيق الأمن الإلكتروني مسؤولية مشتركة، يساهم فيه الجميع، وقد أكد الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية ضرورة خلق بيئة مجتمعية آمنة من خلال مشاركة الجميع في توجيه الأبناء نحو الاستخدام الأفضل لشبكة الإنترنت.

ويتمثل دور الأسرة لتحقيق الأمن الإلكتروني في جوانب متعددة، بحسن توجيه الأبناء للاستخدام الآمن للإنترنت، ومتابعتهم، وتوعيتهم، وإرشادهم للاستخدام الرشيد للأجهزة الإلكترونية، وحسن احتوائهم، وفتح القلوب لهم، ليبوحوا بما يواجهونه بصراحة وشفافية وأمان، وإسداء النصيحة لهم بالأسلوب الأمثل، ليجدوا في الأسرة الحضن الدافئ لهم، وخاصة فئة صغار السن الذين هم أكثر الفئات المستهدفة.

ومن الجوانب التي تحتاج إلى متابعة الأسرة الألعاب الإلكترونية، حيث ينجذب الأطفال إلى عالم الألعاب الإلكترونية لترفيه أنفسهم، وفي هذا العالم يتربص بهم دعاة العنف والجرائم المختلفة ليغذوهم بالسلوكيات السلبية ويخطفوا براءتهم، وقد شهدت الفترة الأخيرة كثرة وتنوع الألعاب الخطيرة التي أصبحت تهدد حياة ممارسيها، حيث تملي عليهم تعليمات مشبوهة، وتستدرجهم، وتسرق منهم معلوماتهم وخصوصياتهم، وتدمر نفسياتهم، وتربيهم على سلوكيات دخيلة، وتقودهم إلى الانتحار وإيذاء أنفسهم والآخرين، وهو ما انعكس أثره على الواقع في بعض دول العالم، فأقدم أطفال وشباب وشابات على الانتحار وإيذاء أنفسهم بسبب هذه الألعاب، ولذلك فمن واجب الأسرة إعانة الأبناء على اختيار الألعاب الهادفة، واجتناب الألعاب الضارة.

ومن الجوانب التي تحتاج إلى عناية كذلك تطبيقات التواصل الاجتماعي، وما يسمى بالصداقات الإلكترونية والأصدقاء الافتراضيين، الذين هم شخصيات مجهولة تمارس أنشطة تواصلية في العالم الافتراضي لأغراض متعددة، منهم المتطرفون الذين يبحثون عن عقول يجندونها، ومنهم أصحاب جرائم الابتزاز وأصحاب الضمائر الضعيفة، ومنهم العابثون المضيّعون للأوقات، مما يحتم على الأسرة متابعة الأبناء في هذا المجال، وعدم تركهم لهذه التطبيقات دون وعي ومتابعة، وتوفير الدفء العاطفي لهم، لئلا يلجؤوا إلى الصداقات الوهمية المحفوفة بالمخاطر، والتأكيد لهم لحماية معلوماتهم وخصوصياتهم، وعدم إفشائها للآخرين، وكذلك توعيتهم بالجرائم الإلكترونية، لكي لا يصبحوا ضحية لها أو طرفا فيها.

ومن أخطر الجوانب التي تتطلب الوعي والحذر الإرهاب الإلكتروني، فهو إحدى المخاطر الكبرى التي تواجه الأبناء في العالم الافتراضي، حيث يحاول دعاة الإرهاب والتطرف والفتن استغلال الفضاء الإلكتروني لنشر أفكارهم الإرهابية، وتغذية عقول الشباب بها، واستدراجهم إلى فخ الإرهاب، مقدِّمين لهم الشبهات في قوالب مزخرفة، يمتزج فيها العسل بالسم الزعاف، وكم هي الوقائع التي كانت فيها الإنترنت وسيلة لتجنيد البسطاء وصناعة العقول المتطرفة، مما يحتم على الأسرة حماية الأبناء من ذلك، وتطبيق المقولة الذهبية: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم»، وعدم تلقي المعلومات الدينية إلا من مصادرها الموثوقة، والحذر من المقاطع المرئية أو المسموعة أو المكتوبة التي لا تُعرف مصادرها أو سلامة قائليها.

الإنترنت اليوم كذلك أداة للبحث عن المعلومات العلمية والثقافية، وهو مليء بالمواقع التي تتناول ذلك، وكذلك تتوفر فيه آلاف الكتب، مما يخدم طلاب العلم والأوساط البحثية، ولكن تلك المواقع والكتب والمعلومات مختلفة من حيث موثوقيتها وصحتها، وواجب الأسرة هنا توجيه عناية الأبناء إلى تحري المعلومات الصحيحة، وإعانتهم على ذلك، وغرس روح التفكير النقدي فيهم، وتعويدهم على التأكد من المعلومات التي يتلقونها، وسلامتها علميا وفكريا.

وكذلك أصبح الإنترنت مصدرا لتبادل الأخبار المحلية والعالمية، فهو يعج بالمواقع الإخبارية المتنوعة، ومنها المواقع الإخبارية الموجهة، التي تعمل على نشر الإشاعات والأكاذيب والتحريش بين الشعوب والحكام وبث الكراهية والأحقاد، ومن واجب الأسرة توجيه الأبناء للمصادر الرسمية الموثوقة، وتحذيرهم من المواقع والمقاطع الإخبارية المشبوهة.

ومن الجوانب المهمة كذلك توجيه الأبناء للاستخدام المعتدل للأجهزة الإلكترونية، بعيدا عن الإفراط والمبالغة، فضلا عن الإدمان على هذه الأجهزة، لما يتركه ذلك من آثار سلبية على الأبناء.

وأخيرا فإن دور الأسرة كبير ومتنوع لتحقيق الأمن الإلكتروني للأجيال، وإعانتهم على مواكبة الثورة الرقمية وحسن استثمارها بسلامة وأمان.

تعليقات

تعليقات