ربع قرن على سجن «أوسلو»

ربع قرن على اتفاق أوسلو.. الأمل الذي بشر به البعض تلاشى، صورة عرفات مع رابين وكلينتون في حفل توقيع الاتفاق لم تعد توحي إلا بالأسى، اغتيل رابين، وقتل عرفات، وحل مكان كلينتون من قادوا المنطقة إلى أزمة وراء أخرى، ومن ساعدوا إسرائيل لاغتيال كل أمل في السلام.

منذ البداية كان اتفاق أوسلو يحمل عوامل فشله، كانت إسرائيل تحصل من خلاله على الاعتراف الفلسطيني بدولتها، بينما الدولة الفلسطينية مؤجلة ومعها كل القضايا التي تجسد حقوق الفلسطينيين المشروعة.

من القدس إلى اللاجئين، إلى الدولة الموعودة وحدودها، قيل يومها إن الحل النهائي سيتم خلال خمس سنوات. والنتيجة أن الخطوة الأولى كانت، كما قلنا يومها، هي الخطوة الأخيرة بالنسبة لإسرائيل، وأن كل القضايا المؤجلة سيكون القرار فيها لإسرائيل التي ستفرض الحل بحكم القوة، وستستولي على الأرض وتغتال الحقوق الفلسطينية.

كان عرفات يراهن على أن دخوله إلى الأرض المحتلة سيكون تجسيداً لحلم الدولة، وأنه سيقضي على محاولات الفصل بين الداخل والخارج الفلسطيني، وسيعيد بعض القوة لمنظمة التحرير بعد الهزة التي تعرضت لها بسبب الموقف من غزو الكويت وبسبب الانقسامات الفلسطينية التي كانت قد بدأت تضرب الوحدة الفلسطينية بعنف.

ومنذ اللحظة الأولى كان المشهد بائساً، كان على الرئيس المصري الأسبق مبارك أن يصحب عرفات إلى المعبر الحدودي حتى يتلافى أبو عمار المعاملة السيئة من الجانب الإسرائيلي الذي كان حريصاً على أن تصل رسالة واضحة بأن السلطة الفلسطينية التي قيل إنها مؤقتة لا تمثل سلطة حقيقية، بل هي أقرب للإدارة المحلية التي تظل خاضعة لسلطة إسرائيل انتظاراً للحسم في قضايا الحل النهائي.

وهو الأمر الذي لم يحدث، ولم يكن مقرراً له من الجانب الإسرائيلي أن يحدث على الإطلاق. والنتيجة بالطبع أن تحولت أوسلو إلى سجن كبير لكل الأحلام الفلسطينية، وتحول «أبو عمار» إلى رهينة حتى تم اغتياله.

وأن يخلفه أبو مازن ليشهد بنفسه حصيلة ربع قرن من «سجن أوسلو» الذي دخلت فيه القضية الفلسطينية، ولتصل الآن إلى مرحلة المواجهة مع مخطط التصفية الذي أجبر «أبو مازن» الذي عاش متهماً بالاعتدال عند البعض والتفريط عند البعض الآخر أن يقول «لا».. فيدرك الفلسطينيون جميعاً النهاية الحزينة لـ«أوسلو» والخطر الفادح الذي على الكل أن يواجهه!

كان المسار خاطئاً من البداية، في حواراتنا مع القيادات الفلسطينية يومها كنا مع الرأي الذي عارض عودة عرفات المبكرة والرهان على النوايا الشخصية لإسحاق رابين أو غيره.

كان الرأي أن يبقى عرفات في الخارج، وأن يبقى القرار الفلسطيني في قبضة منظمة التحرير، وأن تكون الإدارة بالداخل من مستوى أقل، وأن تكون الإشارة واضحة «للفلسطينيين أولاً ثم للآخرين» بأن هذه فترة اختبار مؤقتة لا تغير من طبيعة الصراع، ولا من الموقف الأساسي الذي يربط تحقيق السلام بإنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية على كامل الأرض المحتلة عام 1967 بما فيها القدس العربية، مع الحل العادل لقضية اللاجئين.

وكان ما كان حتى وصلنا إلى الموقف الراهن، ولعل من المهم هنا أن نشير إلى أن كل الأخطاء في اتفاق «أوسلو» كان من الممكن تلافيها، لو أن الصف الفلسطيني كان قد توحد، ولو أن التهديد بإيجاد القيادة البديلة لم يكن موجوداً منذ هذه الأيام وحتى اليوم (!!) وهو التهديد الذي جعل عرفات يسرع بالعودة للداخل مهما كان الثمن.. والذي أنتج الانقسام الكارثي بعد انقلاب «حماس» في غزة!!

بعد ربع قرن على «سجن أوسلو» نجد أن ما كان مخططاً من جانب إسرائيل يجري تنفيذه بدقة كاملة، منذ البداية كان المخطط واضحاً: لا دولة فلسطينية، بل إدارة ذاتية لغزة ولأربعين في المائة من أراضي الضفة التي ستذهب باقي أراضيها للاستيطان الإسرائيلي. أما القدس فهي خارج النقاش، وأما اللاجئون الفلسطينيون فهم مسؤولية العرب.

تمضي إسرائيل في تنفيذ مخططاتها، خصوصاً في ظل دعم أميركي غير مسبوق من إدارة الرئيس ترامب. ومع استغلال لكل ما تمر به المنطقة من أزمات، وما نشاهده على الساحة الفلسطينية من مفارقات، «أبو مازن» يرى بعينيه نهايات أوسلو المأساوية، ويعلن الرفض القاطع للحل الصهيوني الذي يتم فرضه بقرارات لا شرعية لها حول القدس واللاجئين، وبتهديدات بفرض حل يتجاهل كل الحقوق الفلسطينية، ويتجاهل أيضاً الموقف العربي بمبادرة العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله كأساس لأي حل مقبول.

بينما على الجانب الآخر نجد محاولات محمومة لكي تكون غزة تحت حكم حماس هي البديل للدولة الفلسطينية الموعودة، ونجد الضغوط الخارجية على السلطة الوطنية لكي ترضخ وتقبل أن تكون جزءاً من تصفية القضية ونجد قطر وتركيا جزءاً أصيلاً من هذه المؤامرة، ونجد «بشائر» صفقة القرن الموعودة تتم ترجمتها في اعتراف مرفوض بالقدس العربية عاصمة لإسرائيل، وبمحاولة تصفية قضية عودة اللاجئين وحصار وكالة «الأونروا» وتحويل أبو مازن الذي كان رمزاً للاعتدال.. إلى متطرف ويعارض مخطط تصفية قضية فلسطين، ويقول «لا» بعد أن أدرك أن ربع قرن من «نعم» لم تكن لها من نتيجة إلا هذا الوضع الكارثي!!

 

 

تعليقات

تعليقات