حضرة المحترم نجيب محفوظ

قبل أيام دعيت الدكتورة «سيزا قاسم» أستاذة النقد الأدبي والأدب المقارن بالجامعة الأميركية في القاهرة إلي ندوة لمناقشة كتاب «أولاد حارتنا..سيرة الرواية المحرمة» الصادر حديثاً عن دار عين لمؤلفه الكاتب الصحفي «محمد شعير». وفي الكلمة التي نقلتها عنها الصحف، وصفت الدكتورة سيزا قاسم نجيب محفوظ بأنه إنسان جبان، كان يخشى السلطة ومواجهة التيارات الدينية المتشددة خشية الصدام معهما.

وتعد الدكتورة«سيزا قاسم» واحدة من أهم النقاد العرب المعاصرين الذين تخصصوا في دراسة الأدب المقارن، سواء كان معاصراً أم من التراث، ولهذا كانت رسالتها للحصول على الماجستير عن «طوق الحمامة في الألفة والألاف لابن حزم الأندلسي. تحليل ومقارنة» بقصص الحب في التراث الغربي.

كما حصلت علي رسالة الدكتوراه عن دراستها «بناء الرواية..دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ ) التي اعتبرتها أفضل الأعمال الروائية في الأدب العربي الحديث وأكملها بناء، وأولها في الشكل الروائي القائم علي رواية الأجيال حيث تتبعت دراستها التقنيات المختلفة التي استخدمها محفوظ في كتابة الثلاثية، وقارنتها بتقنيات الرواية الغربية المشابهة والمعروفة باسم روايات الأنهار أو الأجيال.

والحقيقة أنني لم أجد مبرراً للضجة المبالغ فيها في الوسطين الصحفي والثقافي لوصف الناقدة للروائي بالجبن في واقعة بعينها، هي تعامله مع الأزمة التي لازمت روايته الأشهر "أولاد حارتنا". وقد أكون واحدة من بين من اعتبروا هذا الوصف لنجيب محفوظ برغم قسوته وعدم دقته، مجرد إساءة في التعبير وخطأ في التفسير وخلط في المفاهيم بين دور المثقف العضوي المناضل وسط صفوف الجماهير، وبين دور الأديب لا سيما إذا كان نجيب محفوظ، الذي يقول عن نفسه: عندما أمسك بالقلم لا أعبأ بأي شيء.

ففي أزمة رواية "أولاد حارتنا" كان موقف نجيب محفوظ متسقاً مع شخصيته الهادئة الحكيمة التي تحسب لقدمه قبل الخطو موضعها، وتدرك موطن القوة في جبهة الخصوم وتتحاشى إهدار الجهد في معارك خاسرة، فحين تم نشر الرواية مسلسلة في جريدة الأهرام عام 1959، تقدم عدد من رجال الدين بمذكرة إلى الرئيس جمال عبد الناصر يطلبون مصادرتها، بعد أن التبس عليهم الأمر في فهمها باعتبارها كتاباً في التاريخ وليس بصفتها رواية، وعجزهم عن التفرقة بين ما هو رمزي في العمل الروائي وبين ما هو واقعي في حوادث التاريخ.

ومنذ ذلك التاريخ، رفض محفوظ طبع الرواية في كتاب، ليس خوفاً من أحد، بل انتظاراً لأن يزول اللبس في فهم الرواية، بما يدفع الجهات الدينية التي اعترضت عليها إلى تعديل موقفها والتفافاً ذكياً حول العاصفة التي أثاروها متهمين الرواية ومؤلفها بالكفر والهجوم على الأديان والإساءة إلى سير الأنبياء، والخروج على الدين. وكانت الطبعة التي تم تداولها خارج مصر، قد أصدرتها دار نشر لبنانية دون علمه ودون إذن منه.

وحين تعرض نجيب محفوظ لمحاولة جبانة لاغتياله في أكتوبر عام 1994اتلفت أوتار يده وعنقه، وأفقدته القدرة على الكتابة بيسر، نشرت صحيفة "الأهالي" رواية أولاد حارتنا في عدد خاص من أعدادها، نفد فور صدوره، انطلاقاً من رؤية تستند إلى أن الذين كفروا الرواية وكاتبها وطالبوا بمصادرتها، أفتوا بغير علم، واستندوا لفهم خاطئ في قراءتها، وأن من حاولوا قتل نجيب محفوظ، لم يقرأوا الرواية أصلاً، وأن نشر الرواية في جريدة يمنح الفرصة لقطاع عريض من القراء للتأكد من التفسير الخاطئ الذي تم ترويجه للرواية من قبل متزمتين دينيين لكي يتحول فيما بعد إلى فتوى بالقتل والذبح.

واعترض نجيب محفوظ على النشر الذي تم في "الأهالي" دون استئذانه وعلى عكس رغبته، لاسيما أن النشر في "الأهالي" قد شجع عدداً من دور النشر الحكومية والخاصة على الإعلان عن قرب طرحها في الأسواق. وأمام تجاهل رغبته في عدم نشر الرواية في كتاب، قام نجيب محفوظ، وهو لايزال قيد العلاج الطبي من محاولة الاغتيال بمنح صحيفة الأهرام الحق في نشرها في كتاب، أو على حلقات مسلسلة، وتفويضها في اتخاذ الاجراءات القانونية نيابة عنه، لمنع الآخرين من نشرها.

وفي رده على تصريح الدكتورة سيزا قاسم، كشف الكاتب الصحفي محمد سلماوي عن الدور الذي لعبه في إقناع نجيب محفوظ بالموافقة على نشر الرواية في دار الشروق، بمقدمة لكاتبين إسلاميين، وهو ما تم بالفعل.

والآن تنتشر الرواية في معظم المكتبات وتباع حتى على الأرصفة لدى باعة الكتب وهي نتيجة منطقية لحكمة ووعي وبصيرة حضرة المحترم نجيب محفوظ (طيب الله ثراه).

تعليقات

تعليقات