الحوثيون وهدم السلام

إن إحدى سمات الميليشيات المتطرفة أنها لا تؤمن إلا بلغة الحديد والنار، وتسعى لفرض نفسها والاستعلاء على الغير استناداً لشريعة الغاب، وأما لغة الحوار والتفاهم والتفاوض الحضاري فهي أبعد ما تكون عنها، فهي لا تعرف طريقاً تسلكه إلا العنف والمراوغة والخداع، وهذه بالضبط حقيقة ميليشيات الحوثي.

لقد أثبت الحوثيون مراراً وتكراراً بالوقائع الدامغة أنهم أداة هدم وتخريب لليمن والمنطقة، وهم يسعون في كل مناسبة لهدم أي جهود لإحلال السلام في اليمن، لأن ذلك لا يتوافق مع أجنداتهم وأيديلوجياتهم، القائمة على التخريب والتدمير والاعتياش على الفوضى، واغتنام الفرص للهيمنة على الداخل اليمني بقوة السلاح والترهيب، وتهديد الجيران، تلبيةً لأطماع إيران التوسعية في المنطقة وميليشياتها الإرهابية.

لقد تعرى الحوثيون أمام المجتمع الدولي مراراً، وانكشف للجميع سوء أفعالهم ونواياهم، فقد انقلبوا على الدستور والقانون، وفرشوا الأرض ألغاماً، وملأوا السماء صواريخ باليستية، وخطفوا الأطفال من حضن البراءة وجعلوهم وقوداً لحربهم، وملأوا السجون بالمعتقلين، وعذبوا واضطهدوا ونهبوا وقتلوا واغتالوا وفجروا، وباعوا وطنيتهم بثمن التراب ليصبحوا عبيداً لإيران، وعاثوا في اليمن فساداً وإفساداً، دمروا اقتصادها، وأورثوا أهلها الفقر والجوع والأمراض، فهل هؤلاء دعاة سلام؟!!

ومن آخر جناياتهم على الشعب اليمني والمجتمع الدولي عرقلتهم لمشاورات جنيف، التي تم التجهيز لها بعد جهود كبيرة ومساعٍ حثيثة، برعاية مبعوث الأمم المتحدة في اليمن مارتن غريفيث، فلم يلقوا لذلك بالاً، وحاولوا اختلاق الأسباب الموهومة لعرقلتها بكل السبل، فزعموا في البداية أن الطائرة التي ستقلُّهم لم تحصل على تصريح من التحالف العربي! وسارعت بعض قنوات السوء لنشر هذه الشائعة، وهو الكذب الذي لم يطل حبله، وسرعان ما انكشف زيفه، فطائرة الأمم المتحدة المكلفة بإحضار الوفد الحوثي كانت تنتظرهم منذ الأربعاء الماضي وقد حصلت على جميع التصاريح الرسمية المطلوبة لسفرهم!! وخرجت الوثائق تؤكد ذلك، وأكد المتحدث الرسمي باسم التحالف العربي العقيد الركن تركي المالكي أن التحالف قدم كافة التسهيلات من أجل تسهيل الحوار بين الأطراف اليمنية.

وعندما انكشفت هذه الألعوبة المفضوحة لجأ الحوثيون إلى ألعوبة أخرى، فانتظروا إلى ليلة التشاورات، ليفاجئوا الجميع قبل ساعات من انعقاد التشاورات بشروط ملغومة ربطوا حضورهم بتلبيتها، رافضين المشاركة في المحادثات إلا بعد الإذعان لها، على الرغم من إعلان المبعوث الأممي أن المحادثات ستكون بدون أي شروط مسبقة، مما دفع بالمبعوث الأممي إلى تأجيل المشاورات إلى يوم الجمعة، لعل الوفد الحوثي أن يحضر، ولكن دون جدوى، مما دفعه مرة أخرى إلى تأجيل المشاورات إلى يوم السبت، لعلَّ وعسى، ولكن لا حياة لمن تنادي، مما أدى إلى إلغاء المحادثات.

إن هذه المماطلة والمراوغة من الحوثيين رغم تعهداتهم المسبقة للمبعوث الأممي بحضورهم في الموعد المحدد لتؤكد للجميع بكل وضوح انعدام روح المسؤولية والإحساس لدى هذه الميليشيات، واستهتارهم بالجهود الدولية المبذولة لعقد محادثات جنيف، وعدم وجود أي رغبة حوثية صادقة لحقن دماء الشعب اليمني، ورفع المعاناة عنهم، مما يؤكد بحق أنهم تجار دماء وأهل تخريب وتدمير، وقد اعتادوا على إفشال أي مفاوضات سياسية، لأنهم لا يعتبرونها سوى فرصة لهم لالتقاط أنفاسهم، وتخفيف الضغط عنهم، والعودة من جديد للتخريب والتلاعب بمصير الشعب اليمني.

لقد أكدت الحكومة اليمنية وأكد التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن أنهم دعاة سلام واستقرار، وأن أياديهم ممدودة لتعزيز العملية السلمية في اليمن حقناً لدماء الشعب اليمني وتدعيماً لاستقرار المنطقة، وقد برهنوا على ذلك عملياً، فها هو الوفد اليمني الحكومي أثبت حضوره في مدينة جنيف السويسرية، في موعده المحدد، لتعزيز العملية السلمية، ووافقوا على الجلوس مع الحوثيين على طاولة المفاوضات مع أنهم الجناة المعتدون، تغليباً للمصالح العامة، وإعمالاً للحكمة، مؤمنين تمام الإيمان بأن الحل السياسي ضرورة وطنية عليا، وعلى الرغم من المماطلات الحوثية قرروا البقاء في جنيف لإعطاء الفرصة للمبعوث الأممي لإقناع الحوثيين بالحضور، إلى أن طفح الكيل، وظهر التعنت الحوثي، وقد شكر المبعوث الدولي وفد الحكومة اليمنية على التزامهم بالحضور، قائلا: «لقد أجرينا مشاورات مثمرة مع الوفد، وأقدر التزامه بالحضور إلى جنيف، وحاولنا بطرق مختلفة إحضار وفد الحوثيين إلى جنيف لكن لم نتلق رداً منهم»، وفي الوقت الذي برهن فيه الوفد الحكومي على ذلك تلكأ الوفد الحوثي عن الحضور، مبرهنين بذلك أمام مرأى العالم بأسره أنهم دعاة هدم للسلام والاستقرار.

إن من واجب المجتمع الدولي أن يسعى بكل جدية لإحلال السلام في اليمن، وأن يبذل كافة الجهود لتقليم مخالب ميليشيا الحوثي، ووضع حد لتلاعبها واستهتارها، ومحاسبتها على جناياتها، وإرغامها على القبول بعملية السلام وتنفيذ القرارات الدولية، ليعود للشعب اليمني سلامه واستقراره.

تعليقات

تعليقات