«كيارش» الإيراني في كينـيا

حكى لي صديق أفريقي ذات يوم، أسطورة إيرانية، مفادها أن الملك كيقباد كان له ابنان، هما كيكاوس وكيارش، اختلفا بعد وفاة والداهما على الحكم، فوافق كيكاوس أن يعطي أخاه الأصغر جزءاً من إيران، ولتحديد مساحة تلك المملكة، طلب كيارش من أخيه أن يرمي بسهم من أعلى التلة، وتكون المساحة التي يعبرها الرمح مملكته، فوافق كيكاوس، إلا أن أخاه لجأ إلى حيلة، فصنع سهمه من الزئبق والذهب الخالص، وانتظر حتى غابت الشمس، فرماه فانجذب السهم نحو الشمس وعبر أراضي أذربيجان بكاملها، فأصبح كيارش ملكاً على إيران ومن حولها، رغماً عن أخيه.

وعلى الرغم من النكسات المتلاحقة التي باتت تلاحق النظام الحاكم في إيران محلياً وإقليمياً ودولياً، إلا أنه يبدو أن نظام الملالي ما زالوا يحلمون بتحقيق هذه الأسطورة، من خلال محاولة مد نطاق نفوذه وهيمنته إلى بلاد عديدة، بما فيها دول أفريقية.

وتمثل كينيا إحدى الدول التي تسعى طهران إلى التغلغل فيها، بأساليب متعددة، منها السيطرة على ذلك المجتمع طائفياً بنشر المذهب الشيعي الاثنا عشري، من خلال جماعة الخوجة الشيعية الاثنا عشرية، والتي تمتد من تنزانيا إلى شرقي وجنوبي أفريقيا.. وتحت غطاء دعم المجتمعات الفقيرة، قامت طهران بتأسيس مشاريع تجارية واقتصادية تساند مشاريعها الطائفية، التي تمثلت في المراكز الثقافية، مثل الجمعية الجعفرية، ومدارس آل البيت الموجودة في جنوبي البلاد، وتبع ذلك تأسيس فرع لرابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية الإيرانية، والتي تنظم أسبوعاً للصداقة الإيرانية الكينية، وتكون مهمتها هي تحسين صورة إيران في المُجتمع الكيني، خاصة بعد إلقاء القبض على مواطنين إيرانيين اتهمتهم نيروبي بالتخطيط لعمليات إرهابية في ديسمبر 2016.

نظراً لأهمية البحر في سياسة إيران، والتي تؤكد أن الماء يمكنه أن يصون أسرار أولئك الذين يأتون طالبين الملاذ، ورغبة إيران في كسر عزلتها الاقتصادية، ومحاولتها السيطرة على ممرات بحرية وبرية لكسب أوراق ضغط جديدة في جنوب الخليج العربي، تم إنشاء أهم الخطوط البحرية في شرقي أفريقيا، خط ممباسا- بندر عباس، وكشفت فايننشال البريطانية، أن هناك سفناً إيرانية تتحرك من ميناء بندر عباس مُتجهة لشرقي أفريقيا، إلا أنها ما إن تصل لمنتصف البحر، حتى تقوم بتغيير طاقمها، وإغلاق أجهزة الساتلايت، وتختفي في عرض البحر، ثم تظهر فجأة في ميناء بندر عباس، وتعاود الظهور في ميناء ممباسا الكيني.

نجحت طهران في التوسع في الدول الأفريقية، مُستخدمةً أدواتها الطائفية والتجارية، ترغيباً وترهيباً، بطريقة أقل ما يقال عنها بأنها تدميرية لتلك المجتمعات الفقيرة التي وجدت فيها طهران أرضاً خصبة لتنفيذ أجنداتها، وهذا ما يؤكد أن التوجهات الإيرانية ستكون عاملاً ثابتاً، ولكن كيف كان وقْع كل ذلك على واشنطن، التي ترى في كينيا ساحة قوية لمشاريعها المستقبلية؟

أعلن البيت الأبيض أهمية كينيا في الاستراتيجية الأميركية، فأعلنت مبادرة الطاقة لأفريقيا، التي تهدف إلى إضافة أكثر من 10 آلاف ميغاواط من قدرة توليد الكهرباء النظيفة، وشملت تلك المبادرة، أكبر مشاريع توليد طاقة الرياح في أفريقيا، وأطلق عليه اسم «أبولوس كينيا»، وهذا ما يفسر موافقة الكونغرس الأميركي بتمديد قانون النمو والفرص في أفريقيا لمدة عشر سنوات، وهو ما يعزز الشراكة الاقتصادية الأفريقية الأميركية حتى عام 2025، وهذا ما يوفر الضمانات اللازمة للاستثمارات الأميركية طويلة الأجل، أما الصين، فقد بدأت بتطبيق استراتيجيتها في كينيا، المسماة بسلسلة من اللؤلؤ، هدفها تحويل مدينة لامو الكينية الساحلية، إلى أكبر ميناء في شرقي أفريقيا، تمهيداً لربطه بالموانئ الصينية.

منعاً للتوسع الإيراني في كينيا، يمكن لدول الخليج الاستثمار في العلاقات الكينية الخليجية التي تتسم بالإيجابية، خاصة أن هناك أكثر من مئتين واثنين وأربعين شركة كينية تعمل في دولة الإمارات، أضف إلى ذلك، يمكن لدول الخليج الاستفادة من منطقة التبادل الحر ثلاثية الأطراف، بعد اندماج الكوميسا مع التكتلات الاقتصادية الأفريقية «الساداك وشرق أفريقيا»، وذلك بالانضمام إلى مثل تلك التكتلات الاقتصادية، بعد حصول دول الخليج على عضوية مراقب في الاتحاد الأفريقي، كما يمكن التعاون مع الجانب الكيني في مجال المياه، فنيروبي تُصنف من الدول التي تعاني من شح المياه، بسبب تقلبات الطقس، والمياه من أكثر مجالات البنية التحتية الأفريقية بحاجة للاستثمار، ولكنه مهمل إلى حد ما، لأن معظم التمويل مصدره مجالات التنمية، وبالتالي، يمكن تعزيز دور الشركات المُستثمرة في قطاع المياه، مثل شركة ماثيتو، ودعم التعاون بين الشركات الخليجية العاملة في أفريقيا مثل أبوظبي لطاقة المستقبل، وصندوق أبوظبي للتنمية، وشركة أكو باور السعودية للطاقة.

ستقوم صناديق الثروات السيادية الخليجية في الفترة القادمة، بدور أكبر في أفريقيا، خاصة أن الآفاق الاقتصادية في شرقي أفريقيا، أصبحت أكثر إيجابية، بسبب التوسعات في مجال السياحة والاتصالات والنقل، والذي كانت نتيجته، ارتفاع نمو الناتج المحلي، ما يشجع على تطوير استراتيجية خليجية خاصة لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية بين دول الخليج والدول الأفريقية، يتم فيها تحديد المهام والاختصاصات ودور القطاعين الحكومي والخاص في تلك الاستراتيجية.

تعليقات

تعليقات