هكذا تُستهدف الدول

انتهي شهر أغسطس دون أن يلبي أحد دعوات جماعة الإخوان للتظاهر في الذكرى الخامسة لفض اعتصامي رابعة والنهضة المسلحين اللذين تتعمد الجماعة تزوير وقائعهما، وتنفق بسخاء على منظمات حقوقية دولية ومحلية لتضخيم عدد ضحاياهما، الذين بدأوا في السقوط بسلاح الإخوان أنفسهم، قبيل التحرك الرسمي، ومع ذلك تصر الجماعة وأعوانها في الداخل والخارج علي وصف هذين الاعتصامين بالسلمية!

انتهى شهر أغسطس، ولم يلتفت أحد إلى دعوة السفير معصوم مرزوق المضطربة، والحافلة بتجاهل الحقائق، للاحتشاد في الميادين للمطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، لا يطالب بها سواه، وحفنة من أنصاره، بجانب دعوتهم للعفو عن أعضاء جماعة الإخوان المحبوسين في قضايا جنائية، وتعويضهم مالياً، ليس لأن معصوم يجري التحقيق معه ومحبوس احتياطياً، بل لأن الناس أصابها الضيق والملل من تكرار ما جرى، ومن أية محاولة تعطل حياتهم وتمنعهم من تسيير أعمالهم، وباتوا مستعدين للتصدي بأنفسهم لمثل تلك المحاولات، دون أي اجراءات رسمية، لتجنب المعاناة التي خلفتها حالة الفوضى وهدم مؤسسات الدولة بعد يناير 2011،ولا تزال البلاد في هذه الرحلة الانتقالية للتغلب على آثارها، والنهوض بها من جديد.

وقبل أسابيع أذاعت قناة روسيا اليوم الفضائية حواراً مع أحد ضباط أمن الدولة السابقين في جهاز المخابرات السوفيتية كي جي بي، سرد فيه بالتفصيل الجهود التي بذلتها المخابرات الأميركية والغربية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية من أجل تفتيت الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي، وإسقاطهم بشكل نهائي، عبر معايشته الشخصية لهذه الوقائع، واطلاعه المباشر بحكم موقعه الوظيفي على الأسرار التي أفضت إلى ذلك.

الحوار درس بليغ في آليات وأساليب تفكيك الدول من داخلها بتجنيد زعماء سياسيين وعلماء وكتاب ومهنيين وصحفيين وأدباء ومسؤولين يتبوؤون مراكز رسمية كبيرة داخل أجهزة الدولة والحكم، وفي المنظمات الخدمية للقيام بأدوار تدمر الاقتصاد وتنشر الفساد وتقود إلى فوضى شاملة.

ووفقاً لهذه الشهادة فقد تم تجنيد مخائيل جورباتشوف للقيام بهذه المهمة منذ سبعينات القرن العشرين قبل أن يحظى بدعم من الرئيس الأميركي رونالد ريجان ورئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر. فتدرج في مواقعه داخل الحزب الشيوعي السوفيتي حتى تولى موقع السكرتير العام للحزب عام 1985، ثم صعد لرئاسة الدولة في العام 1988 وحتى ديسمبر عام 1991 حين سلم رئاسة الاتحاد إلى بوريس يلتسين وهو يقول «لقد حصل المجتمع على الحرية» أما هو فقد حصل على جائزة رونالد ريجان للحرية وجائزة نوبل للسلام، بينما وقع خلفه اتفاقية حل الاتحاد السوفيتي، لتتوالى كلعبة الدومينو الانهيارات المدوية لدول المعسكر الاشتراكي واحدة تلو الأخرى.

من المفيد جدا لما يجري في منطقتنا العربية، تأمل الأساليب التي تم اتباعها للوصول إلى النتيجة السابقة، التي جرى الترتيب لها منذ العام 1959 حين أصدر الكونجرس الأميركي قانوناً تحت عنوان دعم الشعوب «المستعبدة»، اقترح فيه تقسيم الاتحاد السوفيتي إلى 22 دولة، بإشاعة مشاعر الحقد والغضب ضد الروس أكبر مجموعة عرقية، ومنذ ريجان وبوش الأب، انشئت صناديق مالية بنحو مليار دولار سنويا لدعم الضغوط الخارجية والداخلية، ومن يسمون بالقوى الديمقراطية التي تقاوم الأنظمة بهدف تقطيع أوصالها بالنجاح في صنع مزاج شعبي مؤيد لإسقاطها، وانشاء مئات من مراكز البحوث والدراسات السياسية والمنظمات الحقوقية التي تدعم هذا التوجه الشعبي وتمنحه بعداً استراتيجياً، وتهتف فوق ذلك بالدفاع عن الديموقراطية.!

أما كيف تحقق هذا النجاح في استمالة المشاعر الشعبية لتأييد هذا المخطط الجهنمي، فقد تم بتكوين شبكة من علاقات المصالح الواسعة مع أفراد وهيئات داخل السلطة وخارجها تلقي بالشكوك العميقة حول كل اجراء حكومي يتخذ، وتشوش على الحلول المطروحة للمشاكل بغية اجهاضها، وتقصي أصحاب الكفاءة من مواقع المسؤولية، وتنشر الشائعات التي تفقد الثقة في الحكومة، وتشيع الروح العدمية التي تفضي دوماً إلى طرق مسدودة، وتروج للتفكك الأسري، وتستخدم وسائل الإعلام لإلقاء الضوء على من يزعمون المطالبة بالتغيير والإصلاح الديمقراطي، والتعمية على أدوارهم كعملاء للمخابرات الغربي، بتصويرهم كمناضلين من أجل الحرية وحقوق الإنسان.!

ما هو المشترك يا ترى بين تلك الجهود التي تم بذلها لإسقاط الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي، وبين ما تعرضت له بلدنا، وما يجري في دول المنطقة؟ الإجابة يعرفها من يستطيعون التعلم من أخطائهم ومن تجارب الآخرين.

تعليقات

تعليقات