«إخوان غزة».. والجريمة مستمرة!

لعل الكثير مما يجري الآن على الساحة العربية «خاصة في الملف الفلسطيني» يفسر إلى حد كبير مدى الصدمة التي انتابت قوى عالمية وإقليمية عدة عند سقوط حكم جماعة الإخوان الفاشي لمصر في 30 يونيو، كما يفسر حجم الضغوط والمؤامرة التي تعرضت لها مصر والقوى العربية التي ساندتها انطلاقاً من أن سقوط العصابة الإخوانية في قلب العروبة ينقذ المنطقة العربية من مخطط الشر الذي اتخذ من نشر الفوضى طريقاً لتدمير أوطان عربية وتسليمها إلى ميليشيات ترفع ،زوراً وبهتاناً، راية الدين الحنيف، بينما هي تخون الدين وتدمر الدولة وتسلم مقادير الشعوب لألد أعدائها.

لقطة واحدة تفسر الكثير مما يجري الآن، المعزول مرسي يستقبل أثناء العام الأسود لحكم الإخوان الرئيس الفلسطيني أبو مازن، ليفاجئه بالحديث عن التنازل عن مساحة تمتد على طول الحدود الشرقية لمصر بعمق 40 كيلومتراً لكي تضم إلى غزة، في إطار صفقة مع الراعي الأميركي والكيان الصهيوني الذي خاطب مرسي رئيسه يوماً بوصفه «الصديق العزيز»! وعندما يبدي أبو مازن استغرابه مؤكداً أن حل القضية الفلسطينية لابد أن يكون على أرض فلسطين، وليس على أرض مصر، يأتيه الجواب الكاشف: وأنت مالك!

يفسر لنا حديث المعزول مرسي نظرة الجماعة التي ارتبطت منذ نشأتها بأجهزة مخابرات دولية، والتي وقفت على الدوام لخدمة أهداف قوى لا تريد الخير للعرب أو المسلمين، والتي تنطلق من نظرة أساسية لا تعترف بـ«الوطن» الذي اعتبره راعي فكرها الإرهابي سيد قطب مجرد «حفنة من تراب عفن»!

ولعل هذا يفسر لنا أيضاً الكثير مما يجري على الساحة الفلسطينية اليوم، لندرك أن معظم ما يدبر لتصفية القضية الفلسطينية ينطلق من يقين كل المتآمرين بأن «الإخوان» لن يتركوا السلطة في غزة إلا مرغمين، وأنهم منذ أن سمحوا للبندقية الفلسطينية أن تنطلق إلى صدور الفلسطينيين من أجل إخضاع غزة بقوة السلاح، كانوا يدركون أنهم يسيرون في الطريق الذي يضع الآن قضية فلسطين في قلب أخطر أزماتها. كانوا يعرفون منذ اللحظة الأولى لانقلابهم أنهم سائرون في طريق بلا رجعة (!!) وأنهم ينفذون دورهم في مخطط سد الطريق على إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 67 وعاصمتها القدس.

وأنهم ليسوا بصدد تحرير «فلسطين» من مغتصبيها، بل تحرير «غزة» من الفلسطينيين لتكون إمارة للإخوان وداراً للجماعة التي تعتبر الإسلام حكراً لها، وتعتبر كل من لا ينال جنة الانضمام لعضويتها. من الكافرين!

جرائم الإخوان جعلت خطر التصفية الكاملة للقضية الفلسطينية يبدو ماثلاً أمام الجميع، بينما ما يهم الإخوان هو كيف يحتفظون بـ«غزة» في قبضتهم.. تحاملت مصر على نفسها كثيراً وتحملت المسؤولية، إدراكاً منها لحجم الخطر من انفجار الأوضاع على حدودها الشرقية، ومن استمرار الانقسام الفلسطيني، ومن تسارع الخطوات الأميركية - الإسرائيلية لخلق حقائق جديدة على الأرض تنسف كل فرص للسلام.. بدءاً من قرار «ترامب» حول القدس، إلى الدعم الكامل لجهود الاستيطان الإسرائيلي، إلى الضغوط الهائلة على السلطة الفلسطينية لتقبل ما لا يمكن قبوله، إلى محاولة تجويع الفلسطينيين لكي يرضخوا ويستسلموا لما يراد فرضه عليهم. نحن أمام فصل «قديم جديد» من فصول المأساة.

«إخوان غزة» غير مهتمين بالمصالحة التي تعني استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية. قضيتهم هي الحفاظ على حكم غزة في يد «الإخوان». يعرف «الإخوان» دورهم في الصفقة المشبوهة، وينفذونه جيداً. يبحثون عن «الهدنة» مع إسرائيل وهي قائمة بالفعل منذ سنوات، ولا يقولون لماذا - إذا كانت غايتهم هي الهدنة - رفعوا راية العصيان لكي يستولوا على السلطة في غزة؟!

ويتاجرون - كالعادة - بمعاناة أهلنا في غزة، دون أن يعترفوا بأنهم كانوا ومازالوا سبباً رئيسياً، جنباً إلى جنب سلطة الاحتلال التي يتوسلون لكي يهادنوها!

قضينا سنوات بعد النكبة الأولى لكي نقول للعالم إننا أمام قضية تحرر وطني لشعب تم اغتصاب أرضه وتشريد أهله، الآن يضيّع «إخوان غزة» تضحيات آلاف الشهداء، ويتاجرون بمعاناة كانوا أحد أسبابها الرئيسية، ويقفون مع عتاة اليمين الإسرائيلي ومع حكام قطر في الوعد بتحويل غزة إلى «سنغافورة» جديدة يكون مطارها في «إيلات» وميناؤها الرئيسي في قبرص، وتكون الأساس في «الصفقة المشبوهة» التي تشطب «فلسطين» وتفرض للأبد يهودية القدس. أو هكذا يتصورون!

مأساة الإخوان «بمن فيهم حماس» أنهم لا يدركون أن الأقنعة كلها قد سقطت، وأن الكل يعرف أنهم جزء من لعبة مكشوفة. ومأساتنا معهم أننا على الدوام أمام فصيل يتصور أنه قادر على خداع الجميع وهو يختصر الدين في جماعة إرهابية، أو يبيع «الوطن» بأبخس الأثمان، أو يترك القدس لليهود من أجل مصلحة الجماعة!

لن تكون «فلسطين» قضية جوعى يحتاجون للخبز، بل قضية شعب من حقه الحرية واستعادة الأرض المغتصبة.

ولن تكون إمارة غزة بديلاً عن دولة فلسطين.. رغم خيانة الإخوان، ودعم حكام قطر، ومخططات من راهنوا يوماً على سقوط مصر، ولم يتعظوا حينما أسقطت رهاناتهم الخائبة!

 

 

تعليقات

تعليقات