ترامب وعسكرة الفضاء

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكثير من التصريحات النارية الصاعقة في الآونة الأخيرة لدرجة أن الأميركيين ربما قد يكون قد فاتهم ما قد يكون له أكبر تأثير طويل المدى على الأمن القومي الأميركي، ويتمثل ذلك بإصدار توجيهاته إلى وزارة الدفاع الأميركية مؤخراً لبدء إنشاء خدمة عسكرية جديدة أطلق عليها اسم «القوة الفضائية».

كان ترامب جازماً في خطابه الذي ألقاه قبل أيام أمام المجلس الوطني للفضاء وقال فيه: «أنا هنا أقوم بإدارة وزارة الدفاع لبدء العملية اللازمة على الفور لإنشاء قوة فضائية باعتبارها الفرع السادس للقوات المسلحة الأميركية، وهي فرع منفصل عن سلاح الجو ولكنه متساوٍ معه».

والمعروف أن البنتاغون تناهض هذه الفكرة، وقد دفع ذلك ترامب إلى الانتقال بعد ذلك إلى الجنرال جوزيف دونفورد، رئيس هيئة الأركان المشتركة وسأله عما إذا كان مستوعباً لهذه الفكرة؟ فأجابه بالإيجاب.

ويخشى البنتاغون من أن إطلاق فرقة فضائية منفصلة سيؤدي إلى اندلاع أحد حروب الأساطيل الفضائية التي تعتبر سمة منتظمة في تاريخ الولايات المتحدة العسكري. وهذه المنافسات غالباً ما تتبع ظهور تكنولوجيات جديدة، فسلاح الجو على سبيل المثال لم يظهر إلا من شرنقة الجيش بعد الحرب العالمية الثانية. وعندما طرأ تقدم على تكنولوجيا الصواريخ في الخمسينيات من القرن العشرين، جادل الجيش بأنها تمثل شكلاً من أشكال المدفعية الذي يجب أن يسيطر عليه اختصاصيو الصواريخ الباليستية، بينما أصر سلاح الجو على أنها تدخل في مجال الطيران. وظل سلاح الجو يفترض أن الفضاء هو مسؤوليته، حتى الآونة الأخيرة.

لقد ساعدت البنتاغون على إسقاط فكرة «الفيالق العسكرية» قبل عام. وخاطب وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس قادة الكونغرس في أكتوبر العام الماضي قائلاً: «أعارض إنشاء خدمة عسكرية جديدة وقوات تنظيمية إضافية في وقت نركز فيه على الحد من النفقات العامة ودمج وظائف القتال المشترك».

لكن ترامب واصل الدفاع عن مشروعه الفضائي الأليف. وأحد المناصرين كان نائبه مايك بنس، رئيس المجلس الوطني للفضاء، وهو من المتحمسين لمشاريع إنشاء الصواريخ، ويقال إنه كان يرافق عائلته إلى فلوريدا لمشاهدة إطلاق ناسا لصواريخها الفضائية.

هناك متحمس آخر وهو نيوت غينغريتش، رئيس مجلس النواب السابق، وهو مثل ترامب، يستمتع بترويج الأفكار المبهرجة والمثيرة للجدل.

ويتوقع غينغريتش بأنه إذا تمكن ترامب من تجاوز بيروقراطية البنتاغون، فإن عملية عسكرة الفضاء بأكملها ستحدث في غضون عقد من الزمن، وحتى بحلول عام 2020.

وكان سلاح الجو الأميركي يأمل بأن يوقف هذا الاقتراح. وخلال انعقاد مؤتمر فضاء في كولورادو سبرينغز بمشاركة رئيس أركان القوات الجوية، ديفيد غولدفين والوزيرة هيذر ويلسون، رفض المشاركون أي إشارة إلى أن سيطرتهم على الدفاع عن الفضاء يمكن تحديها. وبعد مرور عدة أشهر على النفي، أصبح سلاح الجو الآن خارج نطاق عمليات التخطيط بشأن عسكرة الفضاء.

يقول مسؤولو البنتاغون إنهم يدركون أن القائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية قد ناقش هذا الأمر، وهم يفكرون الآن في أفضل السبل لتطبيق توجيه القوة الفضائية.

ومن المقرر إجراء دراسات جدوى إنشاء القوة الفضائية، يفوضها الكونغرس في وقت لاحق من العام الجاري. وتأمل البنتاغون أن تسمح بإجراء بعض النقاش المدروس حول التكاليف والفوائد الناجمة عن ذلك. لكن غينغريتش يحذر من أن أي محاولة لإبطاء تحركات ترامب في هذا الشأن سيكون لها عواقب خطيرة. وأن هناك ثورة فضاء جارية، بعيدة تماماً عن توجيهات الرئيس الأميركي. فالشركات الخاصة هي الرائدة في تقنيات الإطلاق الجديدة للصواريخ، وهي تقلل التكاليف إلى حد كبير.

وتقوم روسيا والصين بتطوير أسلحة فضائية غير تقليدية يمكن أن تشل قدرات الولايات المتحدة في أي صراع مستقبلي. إنها لحظة جيدة للتفكير في إعادة تشكيل الدفاع عن الفضاء بشكل خلاق ولكن بعناية فائقة.

 

 

تعليقات

تعليقات