الحجر السعودي

للمرة الأولى تجبر السعودية رموز التيار الليبرالي الغربي أن يدفعوا ثمن تنظيراته، بقطعها العلاقة وبقطعها الاتفاقيات التجارية والابتعاث، وغيرها من روابط بينها وبين كندا، إذ أجبرت السعودية الشعب الكندي على مواجهة هذا التيار وجهاً لوجه، ليطرح عليه السؤال الذي طرحه ترامب في حملته الانتخابية، «من أحق بالاهتمام وبالرعاية بمصالحه؟ الشعب الذي انتخبكم أم شعوب العالم الأجنبية؟».

الرئيس الأميركي ترامب أحد قادة التيار المعارض «للتيار الليبرالي الغربي»، ويحمل راية التيار الشعبوي الذي يرى أن كل دولة أدرى بشعابها، وأن على كل دولة أن تهتم بمصالحها أولاً، لذلك كان شعاره الانتخابي أميركا أولاً، ويعتقد أن الحكومات انتخبت كي ترعى مصالح شعوبها لا كي تنشر قيمها في بقية الدول ولاقت شعاراته استحساناً كبيراً من الشعب الأميركي.

فإن كان من حسنة تذكر لردة فعل المملكة العربية السعودية على كندا، فهي تصاعد حدة الجدل داخل المجتمعات الغربية بين هذين التيارين، خاصة أن التيار الشعبوي تيار ضعيف إعلامياً وضعيف على مستوى الأصوات المؤثرة في دائرتي صنع القرار (الخارجية والإعلام) اللتين تغلغلت فيهما كوادر التيار الليبرالي منذ عقدين من الزمان.

جاء القرار السعودي ليلقي بحجر كبير في بحيرة التيار الليبرالي الذي يعتقد أن تبني قيمه مسألة حتمية وإجبارية على بقية الشعوب، وأن الحكومة التي تعارضه تعتبر حكومة منغلقة وغير منفتحة على العالم، تيار له مؤسساته وله أحزابه التي قامت بتبني مجموعة أفراد من الدول المستهدفة ومنهم أفراد من الدول العربية لنشر وتعميم فكرهم وقيمهم وتدريبهم على مواجهة الحكومات ووضع كل وسائل الدعم اللوجستي، وتوفيره لتلك المجموعات وغالباً يختارونهم من الأقليات الإثنية أو الجنسية أو الدينية في العالم العربي من (الأقباط أو الشيعة أو حتى من المثليين) (انظر مقال «السعودية تنتصر لمبدأ السيادة» لبسام البنمحمد على موقع «العربية»)

طوال الفترة الماضية لم يمتحن هذا التيار الليبرالي امتحاناً حقيقياً في عقر داره، ولم يتعرض لخسائر في وطنه بسبب أفكاره، لم يدفع ثمن نشر تلك القيم وفرضها على الآخرين خارج حدوده السيادية، حتى اتخذت المملكة العربية السعودية أول قرار من نوعه، حين أجبرت السعودية كندا على دفع ثمن محاولة نشر قيمها بالقوة وبالجبر عن طريق التدخل في شؤون الدول الأخرى.

اليوم ما عليك إلا أن تتابع آراء التيار الآخر الشعبوي لا في الغرب فحسب، بل حتى في روسيا والصين والهند الذي وجد فرصته ليثبت وجهة نظره، على صوت التيار الآخر نتيجة القرار السعودي الفريد والأول من نوعه، كي يعلو الرأي الشعبوي الغربي القائل: إن علينا أن نرعى مصالح شعوبنا تلك هي مهمتنا.

ليس على دولنا أن تقف عند تأييدها المملكة العربية السعودية فحسب، بل عليها أن تعلن أنها ستتخذ خطوات مماثلة لحماية سيادتها وأمنها المهددين من أفكار هذا التيار ومحاولاته المستمرة لاختراقها.

إن الرسالة التي وجهتها المملكة العربية السعودية لهذا التيار أينما كان، أميركي أو أوروبي أو كندي لابد أن تكون رسالة عربية متطابقة متماثلة بها تهدد الشعوب الغربية بمزيد من الخسائر إن لم تكبح هي جماح هذا التيار، الجدل الداخلي هناك وحده الكفيل بوقف زحف هذا التيار التنظيري وإعادته إلى صواب الواقع، بعيداً عن النظريات التي يقرأها في الكتب، وفي الجامعات والأكاديميات!

 

 

تعليقات

تعليقات