لهذا تستمر الحرب على «يوليو»

ظاهرتان مهمتان كانتا واضحتين في الاحتفال بثورة يوليو بعد ستة وستين عاماً.. خاصة عند أجيال جديدة تعرضت لأبشع حملات الأعداء، من أجل تشويه الذاكرة الوطنية، ومع ذلك فإن هذه الأجيال تزداد وعياً بتاريخها، وتزداد تصميماً على أن تبحث بنفسها عن الحقيقة، وأن تعرف أين كانت الإيجابيات وكيف وقعت السلبيات، ثم.. كيف نواصل الطريق ونقهر الصعاب التي تحاصرنا كما حاصرت يوليو وقاتلتها، ومازالت تفعل حتى اليوم!

ظاهرتان مهمتان: الأولى أن حكاية يوليو كانت مغامرة لضباط صغار لم تثمر شيئاً، لم تعد حكاية قابلة للتسويق حتى عند البلهاء!! لم تكن صدفة أن عملاق الأدب العربي طه حسني كان أول من أدرك أننا أمام ثورة حقيقية جاءت لتنشر العدل الذي بشر به طويلاً، ولكي تعيد الكرامة التي امتهنت على يد احتلال أجنبي واستبداد محلي، ولم تكن الملايين التي احتضنت «الحركة المباركة»، كما كان يطلق عليها في البداية، تفعل ذلك خوفاً من تحرك سلمي لم يطلق رصاصة واحدة. بل كان إدراكاً بأن التغيير كان حتمياً، وإيماناً بأن ما بدأ في ليلة 23 يوليو ليس إلا تعبيراً عن حركة وطنية خذلها الكثيرون، لكنها صمدت في كفاحها، وظلت متمسكة بأهدافها في تحرير الوطن والمواطن بعد قرون تحت احتلال تغيرت لافتاته وبقي جوهره هو الاستغلال والقهر.

الظاهرة الثانية في احتفالات يوليو هذا العام هي تنامي الإدراك بأن العداء ليوليو لم يكن عداءً للسلطة التي مثلتها ولا لزعامة عبد الناصر فقط، لقد رحل عبد الناصر وتغيرت السلطة وتم الانقلاب على معظم السياسات، ومع ذلك بقيت الحرب على يوليو حتى الآن.

إن نظرة واحدة على ما يجري في الوطن العربي كله بعد كل هذه السنوات التي مرت على يوليو، تشير إلى حقيقة أساسية وهي أن عالمنا العربي يواجه نفس الأعداء ويقاتل نفس المعارك. مع اختلاف التفاصيل وتعدد العناوين والرايات!! الذين أعلنوا الحرب على يوليو منذ أن عرفوا وجهها الحقيقي، هم أنفسهم الذين يواصلون الحرب على مصر وعلى الأمة العربية. لأنهم لا يحاربون أنظمة أو زعماء بل يحاربون النهضة العربية التي كانت يوليو عنوانها الأبرز منذ ستة وستين عاماً، وحتى الآن!!

انظر حولك.. ستجد الإخوان الذين أعلنوا العداء لـ«يوليو» منذ أن فشلوا في أن يتخذوها معبراً لاستيلائهم على السلطة، كما فعلوا عام 2012.. ستجد الإخوان الذين حاولوا اغتيال عبد الناصر ولم يتوقفوا عن التآمر على «يوليو» في حياة عبد الناصر، وبعد رحيله. هم أنفسهم «الإخوان» الذين يقودون حروب تدمير الأوطان العربية باسم الدين الحنيف البريء من كل ما يفعلونه، هم وباقي الجماعات الإرهابية التابعة لهم أو المتحالفة معهم.

وبجانب «الإخوان» وباقي الجماعات المتاجرة بالدين.. ستجد من كانوا يستفيدون من الاستبداد والفساد، ومن كانوا يربطون نفوذهم وسلطتهم وثرواتهم ببقاء الشعوب رهن الفقر والجهل والتخلف. وستجد من اتهموا مصر كلها «وليس عبد الناصر فقط» بالكفر، لأنهم سمحوا بتحرير الفلاح عن طريق الإصلاح الزراعي، أو أتاحوا التعليم للجميع بمن فيهم أبناء الفقراء، ولأنهم حرروا المرأة من عبوديتها ومنحوها في ظل يوليو حقوقها كاملة.

وبجانب «الإخوان» وأنصار التخلف والاستبداد.. ستجدنا اليوم، كما كنا منذ يوليو العظيمة، في مواجهة أنظمة مثل نظام «حمد وحمد» في قطر، الذي لا يجد مكانه ضمن المنظومة العربية، ولا يتردد في طعن كل ما مثلته «يوليو» التي قادت ثورة التحرر العربي، وأجبرت بتضحيات هائلة الاستعمار أن يحمل عصاه على كاهله ويرحل بعد هزيمته في حرب السويس. لا يتردد حمد بن جاسم في الإعلان عن أن العروبة وهم!! ويمضي النظام الحاكم في قطر على نفس الطريق. يتحالف مع الإخوان ويستعين بكل أعداء الأمة، ويصر على أن يكون جزءاً أصيلاً في التآمر ضد العرب وفي الإضرار بشعب قطر الذي يتحول إلى ضحية لنظام «حمد وحمد» ولتآمره مع الإخوان، ولتحالفه مع كل من يريد شراً بأبناء الخليج والوطن العربي.

وانظر حولك..

هكذا كان صدام «يوليو» الحتمي مع إسرائيل وأوهامها التوراتية، ومع تركيا التي تتناسى تاريخاً مؤلماً لاستعمار غشوم ارتدى ثوب الخلافة، ثم.. مع الأطماع الفارسية التي كانت مع شاه إيران، ثم تحولت مع الخميني وخلفائه إلى خليط من أحلام السلطة والهوس الديني والمذاهب، وصل بحكام طهران الآن إلى حافة الهاوية.

أعداء «يوليو» ما زالوا يواصلون حروبهم ضدها، وضد الأمة العربية كلها. الأعداء المحليون والإقليميون يعملون في ظل القوى الكبرى التي عاشت دائماً على الهيمنة والاستغلال والتي عادت مشروع النهضة العربية على الدوام، والتي لا تخفي مخططاتها التي دمرت دولاً عربية كانت فاعلة، وتضع دولاً أخرى رهن التدمير، وتسير قدماً في مشروعاتها لخريطة جديدة للمنطقة.. تقسم ما كان مقسماً من قبل، وتغلق الأبواب على كل ما يؤدي لإحياء مشروع النهضة العربية الذي ما زالت «يوليو» عنواناً رئيسياً لها، رغم كل ما فعلوا، وما يفعلون.

ومع ذلك كله، فإن «يوليو» يأتي بالأمل، ويعطينا الثقة في أننا رغم كل الصعاب نستطيع أن نهزم كل التحديات، وأن نمضي في الطريق الذي يحقق أهدافنا، ويحمي دولنا واستقلالها واستقرارها ويفتح الباب للنهضة العربية الشاملة.. رغم التآمر والعمالة وإرهاب المتاجرين بالدين وعبث الصغار والواهمين.

* كاتب مصري

تعليقات

تعليقات