«النهضة» وتوحد القوى الديمقراطية

منذ فوزها في الانتخابات العامة التونسية في عام 2011 وسيطرتها على البرلمان، وتنصيب حليفها البائس المنصف المرزوقي رئيساً للجمهورية، وفشل مشروعها الأيديولوجي لتغيير الهوية الحداثية لتونس التي بدأت مع استقلالها عام 1956، وإجبارها على التخلي عن الحكم تحت وطأة الرفض الشعبي لمشروعها بالتصويت ضد هيمنتها في الانتخابات العامة في عام 2014، وحركة النهضة الإخوانية، تخلط الأوراق، وتتستر وراء مواقف تخالف خطابها الديني والفقهي كموافقتها مثلاً على مشروع قانون المساواة في الإرث، وتسوق خطاباً مزدوجاً توجه الأول للمواطنين وللقوى الحزبية في الداخل وللقوى الغربية في الخارج الساعية لإدماج جماعة الإخوان في نظم الحكم القائمة في المنطقة، بينما توجه الثاني المتشدد دينياً لأعضائها، وتنفذ من الثغرات التي تنشأ من الصراعات التافهة على اقتسام المواقع بين أطراف معسكر خصومها في الحركة المدنية العلمانية والديمقراطية، وهو ما أدى إلى تفككه وضعفه، في الوقت الذي استخدمت فيه النهضة آليات الديمقراطية، للهيمنة على مفاصل مؤسسات الدولة، فضلاً عن احتكارها لمجالات العمل الخيري والدعوي، التي تشكل غطاءً للإغداق المالي السخي عليها من كل من قطر والتنظيم الدولي للإخوان.

حين كانت النهضة هي الطرف الأقوى في التركيبة الحاكمة التي تولت السلطة بعد عزل بن علي، كان رئيسها راشد الغنوشي، يقول إن الإسلام منذ نشأ جمع بين الدين والدولة، والدعوة لفصل الدين عن السياسة وعن الدولة هي مغامرة تحول الدولة إلى مافيات كما يحدث في بعض الدول الأوروبية.

وعندما صار طرفاً في المعادلة الحاكمة وليس «الطرف الرئيسي» استعان بالمثل الشعبي القائل «اللي تغلب به العب به» أعلن أن حركة النهضة التي تعد فرعاً لجماعة الإخوان، سوف تتخلى عن الرداء الديني، وتفصل ما بين العمل الدعوي والعمل السياسي، ليظل الدين بعيداً عن الاستغلال السياسي، لأن ما تفرضه السياسة، قد يتعارض مع بعض التفسيرات الدينية.

جاء هذا الإعلان بعد السقوط المدوي لنظام جماعة الإخوان في مصر، ووضع تونس في قائمة الدول المصدرة للإرهاب الجهادي، وتصاعد عمليات الاغتيالات السياسية في البلاد التي تتهم النهضة بالمسؤولية عنها، وتنامي معارك الإرهاب الدولي، الذي ينسب لكل فصائل تيار الإسلام السياسي، وتراجع الحماس الغربي لدمج هؤلاء في النظم العربية، وقبل هذا وبعده كانت عينا الغنوشي شاخصة على الانتخابات المحلية التي جرت مايو الماضي، وحصدت حركة النهضة أغلبية مقاعدها، وبينها رئاسة بلدية تونس التي نجحت فيها مرشحة الحركة السافرة سعاد عبد الرحيم، فضلاً عن فوز نحو أربعين سيدة ترأسن بلديات أخرى.

وبهذه النتيجة يمهد الغنوشي للانتخابات الرئاسية التي ستجرى العام المقبل، ولا يهم بعد ذلك حالة الاستقطاب الحادة التي أوجدها إصرار الغنوشي على المشاركة في السلطة وربما السعي للانفراد بها، وتثبيت الحالة الانتقالية التي تعيشها تونس منذ نهاية 2010، وتعثر حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، وارتفاع وتيرة العنف في المجتمع التونسي بسيطرة المتشددين الدينين على منابر المساجد ووضع المناهج التعليمية.

كما لا يهم نماذج النظم الفاشلة في الإقليم، للدول التي تحكمها جماعة الإخوان بحديدية تنظيمها وعقلها الفارغ وخزائنها المالية الطائلة التي تساعدها على الاستقطاب والحشد، وتسود فيها أفكارها الإقصائية والتكفيرية والإرهابية!

في مصر، انتشى أنصار جماعة الإخوان بفوز حركة النهضة في المحليات، ونشرت الصحف أنباء المساعي التي تقوم بها الجماعة، حيث يجوب ممثلوها مختلف المحافظات محصنين بأموال لا حساب لها، لإعداد مرشحين من أعضائها وأنصارها من غير المعروفين لأجهزة الأمن، لخوض الانتخابات المحلية المزمع عقدها نهاية العام الحالي، لتعود من خلالها للنشاط في الحياة السياسية.

ولم يعد هناك خيار إن في تونس أو في مصر سوى توحد القوى الديمقراطية حول برنامج وطني جاذب للمواطنين، لوقف هذا الوباء العابر لحدود أوطاننا، ولمنع استخدام الديمقراطية سلماً لتثبيت عوامل التخلف.

تعليقات

تعليقات