شهامة مواطن ووفاء قائد

كنت أتساءل كيف ربط عالم الرياضيات المعروف (الخوارزمي) بين علم الجبر الذي برع فيه والأخلاق؟ قد لا تبدو هنالك علاقة بين الاثنين، إلّا أن هذا الخوارزمي الذي عاصر أخلاقيات العرب في العصر العباسي وصار مديراً لبيت الحكمة الذي أسسه الخليفة المأمون، أراد أن يترجم معنى الأخلاق رياضياً فأبدع حين أوجز نظريته بالقول: «إذا كان الإنسان ذو أخلاق ٍ فهو = 1 وإذا كان الإنسان ذو جمال أضف إلى الواحد صفراً = 10، وإذا كان ذو مالٍ أيضاً أضف صفراً آخر = 100 وإذا كان ذو حسبٍ ونسب فأضف صفراً آخر = 1000 فإذا ذهب العدد واحد وهو (الأخلاق) ذهبت قيمة الإنسان وبقيت الأصفار التي لا قيمة لها».

ويجعلنا الخوارزمي بعد أن نثق علمياً وإنسانياً بنظريته نعتقد جازمين أن هنالك ربطاً ليس فقط بين الأخلاق والجبر بل بين الأخلاق وكل شئ في الحياة، وأن كل شئ يبطل ويفقد قيمته إذا افتقد للأخلاق، وأن هنالك ربطاً محكماً بين الإنسان والأخلاق إذ جعل الخوارزمي الإنسان ذو الأخلاق هو الرقم واحد، ولا قيمة للإنسان إذا افتقد عنصر الأخلاق.

هذا ما خطر ببالي وأنا أتابع تفاصيل الخبر الجميل الذي شغل الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي في بلادنا قبل أيام والخبر تحدث شهامة المواطن الإماراتي سالم البدواوي مأمور جوازات منفذ حتا الحدودي، حين بلغت به الشهامة أن يديم فرحة العيد على أسرةٍ سورية متوجهة لسلطنة عمان لقضاء إجازة العيد وكادت أن تفقد تلك الفرحة حين تعطلت سيارتهم عند نقطة الحدود التي كان فيها مأمور الجوازات سالم خافراً ليلة العيد وعلى وشك أن يسلم الواجب صباح العيد لزميل آخر، كان رب الأسرة ( فاتح ) في حرج مما أصاب سيارته وتعذرت الحلول لولا شهامة سالم الذي عزَّ عليه أن تذهب فرحة الأطفال وأهلهم سدى ً بسبب عطل السيارة فما كان منه سوى أن يعطي سيارته الخاصة لرب الأسرة كي يواصلوا سفرتهم ويعود هو إلى أهله بسيارة أجرة ثم يتولى إصلاح سيارة الأسرة بأتم التفاصيل مما حدا بالسيد فاتح عند عودته من السفر أن يتوجه للبث المباشر ويتكلم عن شهامة ابن الإمارات النجيب سالم البدواوي وموقفه الذي يجسد أصالة بلدنا الإمارات وأخلاق أهلها الكرماء.

ولأن قيادتنا الرشيدة تفرح بكل مبادرة ترفع الرأس وتجسد قيمنا الأصيلة، فما إن سمع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي (حفظه الله ) بهذه المبادرة الطيبة للمواطن سالم البدواوي حتى أمر سموه بترقيته إلى رتبة وكيل أول اعتباراً من 16 يونيو 2018 وهو اليوم الذي شهد تلك القصة الرائعة.

وبقدر ما كانت مبادرة ولدنا سالم سخية وصادقة وكبيرة، كانت مبادرة صاحب السمو أروع وأكملت الصورة البهية بين قيادتنا وشعبنا حاملةً أكثر من دلالة على قرب القيادة من أبنائها ودعمها وتشجيعها لعطائهم ومبادراتهم، وتحول الموقف النبيل إلى نموذج يتم الاقتداء به في سمو الأخلاق وخلق المبادرات التي تعزز التلاحم المجتمعي وتعكس الصورة المثلى لشعبنا العريق.

لقد أضافت قصة سالم طعماً جديداً لحياتنا وذكرتنا بقصص الكرم والوفاء التي زخرت بها حياة الآباء والأجداد وتوارثناها فسقتنا حليب المكارم مع حليب أمهاتنا، وهي قصص تملأ مجلدات لو كتبت جميعها. كما أضاف هذا الموقف الشهم معنى أخلاقياً تحتاج إليه أجيالنا، وحين يكبرون سيظل عالقاً في أذهانهم كما علق في أذهاننا كرم العرب الأوائل كحاتم الطائي الذي ظل ذكره خالداً إلى يومنا هذا فقد كان يوقد على الجبل ناراً كي يستدل من خلالها الضيف ليأكل دون أن يُعرف هذا الضيف من أين أتى وإلى أين ذاهب، وحاتم الذي نحر فرسه (وهي أعز ما عنده وآخر ما تبقى لديه) ليطعم قومه في يوم القحط، يستحق ذلك المجد وذلك الخلود.

نحمد الله تعالى على تراثنا وذخيرتنا من الأخلاق السامية التي يشهد لها البعيد قبل القريب، والغريب قبل النسيب. ورحم الله الخوارزمي الذي جعل من كلمة إنسان قيمة أخلاقية سامية، وليس اعتباطاً أن يكون مصطلح (الإنسانية) مشتقاً من كلمة (إنسان)، حتى صارت (الإنسانية) منظومة ً من القيم والأخلاق والمعاني السامية التي يحلم كل إنسان بتحقيقها.

تعليقات

تعليقات