قمة كيم وترامب.. فتش عن الصين

أياً كانت البواعث، رغم الاختلاف في تقييم النتائج.. فلا شك أن لقاء القمة بين الرئيس الأميركي ترامب وزعيم كوريا الشمالية كيم جون أون سيظل حادثًا مهمًا يشير إلى تطورات حاسمة لا بد أن تلقي ظلالها على السياسة العالمية لسنوات طويلة.

قد يكون هناك شيء من الوجاهة لما يقال من أن العوامل الشخصية لدى الرجلين «ترامب وكيم» كانت الأقوى وراء عقد الاجتماع وأنه ليس منطقياً أن يتحول الأمر 180 درجة خلال أيام فيصبح الشيطان الأكبر- كما كان يوصف ترامب من جانب كيم- هو الزعيم الرائع(!!) ويصبح رجل الصواريخ الفاشي- كما كان يوصف كيم من جانب ترامب- هو نفسه الشاب الموهوب الذي قاد بلده في العشرينات من عمره والذي يفاوض ببراعة ويقرر في حسم، كما وصف ترامب صديقه كيم بعد مباحثات سنغافورة!

وعلينا هنا أن نتذكر أن السياسة فيها العجب، وأن السياسة على يد مسؤولين مثل ترامب أو كيم فيها ما هو أكثر من العجب، وما هو أكثر غموضاً من الألغاز وأكثر إدهاشاً من مسرحيات العبث!

ومن هنا يبرز الجانب الشخصي من اللقاء، فكل من الرجلين كان يدرك حاجته لهذه القمة. ترامب ليثبت أنه الرجل القادر على التعامل مع أعقد المشاكل، وإبرام أفضل الصفقات.. خاصة بعد سلسلة من الإخفاقات في السياسة الخارجية، وبعد وصول التحقيقات في الاتهامات بتلقي الدعم الروسي أثناء انتخابات الرئاسة الأميركية لمرحلة حرجة! أما كيم فلا شك أن القمة كانت تمثل له نجاحاً كبيراً في تخطي العزلة الدولية، فها هو يتعامل بندية كاملة مع زعيم الدولة الأقوى في العالم، ويثبت أن امتلاك القوة العسكرية والسلاح النووي قد فتح له أبواب المساومة ليحصل على الكثير الذي يستطيع به تجاوز الحالة الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها شعبه، والذي يضمن له الأمن إذا تخلى عن سلاحه النووي كما وعد.

لا شك أن العوامل الشخصية كانت حاضرة.. ولهذا كان الحرص على الجانب الدعائي «وربما الاستعراضي» لهذه القمة، كما كان الحرص على ضمان عدم الانجرار إلى ما يثير الخلاف أو يعقد الأمور، حتى لو كانت نتيجة ذلك أن يقتصر حصاد القمة على ما يمكن أن يكون «إعلاناً بالنوايا الحسنة» بين الجانبين، لم يكن هناك اتفاق واضح أو جدول بالخطوات العملية التي سيتخذها الجانبان وإنما تعهد بما سبق الإعلان عنه من التزام كوريا الشمالية بالتخلي عن ترسانتها النووية في إطار نزع سلاح نووي شامل من شبه الجزيرة الكورية «وهو ما يعني إخلاء كوريا الجنوبية من أي سلاح نووي أميركي» وربما كان ذلك وراء إعطاء ترامب إشارة على السير في هذا الطريق بإعلانه إلغاء المناورات العسكرية السنوية مع كوريا الجنوبية، معلناً أن الوقت غير مناسب لاستمرارها!

مازال أمام الجانبين طريق طويل من أجل الوصول إلى اتفاق كامل حول تفاصيل الصفقة وخطوات التنفيذ التي ستستغرق سنوات، وكذلك حول سبل المراقبة والتحقق من تنفيذ التعهدات.. ومع ذلك تبقى «ضربة البداية» التي شهدناها في سنغافورة قوية الدلالة على أن تحولاً كبيراً في الاستراتيجيات العالمية قد تم تدشينه، حتى إذا واجه العالم بعد ذلك انقلاباً على ما حدث، أو إذا مارس ترامب أو كيم هوايتهما المعتادة في القفز من جانب لآخر دون أسباب مفهومة!

سواء سارت العملية إلى نهايتها بنجاح، أو واجهتها العقبات من الداخل أو الخارج.. فإن دلالات الحدث تبقى، والأسباب كثيرة:

** فالحدث يأتي وترامب يرفع شعار «أميركا أولاً» ويتخذ سياسات تضرب حرية التجارة العالمية التي كانت أميركا أول المدافعين عنها وأشد المناصرين لها.

** والحديث يأتي بعد قمة فاشلة في كندا، أظهرت عمق الخلافات حول السياسات التجارية بين أميركا وأقرب حلفائها، حيث وقفت كندا مع أكبر دول أوروبا «فرنسا وألمانيا» ومعهم بريطانيا يواجهون عودة السياسات الحمائية وفرض الضرائب الجمركية على واردات أميركا من هذه الدول، ورد هذه الدول بإجراءات مماثلة تفتح الباب لحرب تجارية عالمية لا تخوضها أميركا ضد الصين وحدها كما كان منتظراً، بل تخوضها صورة ربما تكون اكبر ضد أقرب حلفائها «أو الذين مازالوا كذلك حتى الآن»!

** ويأتي الحديث في ظل امتداد الخلافات في صفوف المعسكر الغربي «أو ما كان يعتبر معسكراً واحداً حتى وقت قريب» إلى حيث يبدو خطر تفكك حلف «الناتو» خطراً حقيقياً، بعد أن رفعت إدارة ترامب شعار «أميركا أولاً» وبعد أن أدركت أوروبا أنه من الخطر في ظل إدارة مثل إدارة ترامب أن يعتمد أمنها على التحالف مع أميركا، وبعد أن بدأ الحديث عن قوة عسكرية أوروبية بعيداً عن الناتو وخلافاته!

** ويأتي الحدث في ظل إدراك أوروبا أن ترامب يعكس رؤية يمينية أميركية لا تساند الوحدة الأوروبية، وتلتقي مع رؤية اليمين الشعبوي الذي تزداد قوته في دول أوروبا الرئيسية.

** والأهم من كل ذلك أن الحدث يأتي في سنوات صعبة ينتقل فيها العالم من هيمنة القطب الواحد الأميركي إلى حيث تتعدد الأقطاب، وتشير فيه كل التقديرات إلى أن الصين ستتجاوز أميركا اقتصادياً، وإن كان السؤال سيبقى: كيف ستترجم بكين هذه القوة الاقتصادية سياسياً وعسكرياً؟

وهنا تبرز حقيقة أن الحوار مع كيم هو- إلى حد كبير- حوار مع الصين. وأن ترامب يعكس بتحركه نحو كوريا الشمالية توجهاً ليس جديداً لدى مؤسسات صناعة السياسة الأميركية، يقول إن مركز الصراع العالمي ينتقل إلى آسيا، وأن الكثير سوف يعتمد على ما ستؤول إليه المنافسة بين بكين وواشنطن.

والواضح هنا أن كلاً من أميركا والصين تحاول تجنب الصدام وعلى الأقل تأجيله! ولا ضرر لدى بكين هنا من أن تمنح «ترامب» ورقة الاستعراض بالاتفاق الودي مع كيم وجزءا من أموالها المتراكمة في بنوك أميركا، ليستمر نموها الاقتصادي ولتتمكن من تحويله إلى قوة سياسية وعسكرية.

أسئلة عديدة سوف يكون العالم كله مهموماً بالبحث عن إجابات لها. ولعلنا- في العالم العربي- لا نقصر في البحث عن الإجابة ولو في الصين. أو قل «خصوصاً في الصين»!

تعليقات

تعليقات