#هلا_بالصين - الأسبوع الإماراتي الصيني

المؤرخون الإسرائيليون ونكبة فلسطين

تمر الذكرى السبعين على نكبة فلسطين وسط ترد كبير للأوضاع الفلسطينية عموماً. فأصبح الفلسطينيون في حيز ردة الفعل بدلاً من الفعل الإيجابي. وليس هناك مثال أبلغ من هذه الحالة من واقعة نقل السفارة الأميركية للقدس وقتل الفلسطينيين بدم بارد على حدود قطاع غزة من قبل الإسرائيليين.

ويدور منذ ثلاثة عقود من الزمن سجال بين المؤرخين الإسرائيليين حول نكبة فلسطين أو ماذا حصل في العام 1948 حين قامت إسرائيل. ولقد كانت الرواية الإسرائيلية الرسمية والشعبية أن ما حصل في العام 1948 تقع مسؤوليته على الفلسطينيين وعلى الدول العربية.

وتقول الرواية التاريخية الإسرائيلية إن ما حصل للفلسطينيين ما هو إلا من واقع عملهم. ويتمثل ذلك في رفضهم للتقسيم أولاً والذي حرمهم من الحصول على دولة مستقلة مثل اليهود. وعندما نشبت الحرب ضد الدولة الإسرائيلية الوليدة، أوعزت الدول العربية للفلسطينيين بمغادرة أراضيهم ريثما يتم تصفية اليهود وعودة الفلسطينيين إلى بيوتهم. وبذلك وجدت مشكلة اللاجئين والتي تتحملها الدول العربية والتي حاولت تدمير الدولة اليهودية وخلقت المشكلة الفلسطينية.

هذه باختصار الرواية الإسرائيلية حول الأحداث التي وقعت إبان قيام دولة إسرائيل. ومع فتح الأرشيف الإسرائيلي بعد انقضاء السنوات القانونية، ومجيء بعض المؤرخين الصغار، بدأت الرواية الإسرائيلية تتداعى. وبدأ هؤلاء المؤرخون يكتبون تاريخاً مغايراً كلياً للرواية الإسرائيلية الرسمية.

وقد عرف هؤلاء بالمؤرخين الجدد. ويقول أحد أشهر المؤرخين الجدد أڤي شلايم، العراقي اليهودي الأصل، وأستاذ العلاقات الدولية سابقاً في جامعة أكسفورد، إن عام 1988 شهد ظهور ثلاثة كتب تخالف الرواية الإسرائيلية عن حرب 1948. ويتعلق أول هذه الكتب كتاب مهم حول اللاجئين الفلسطينيين لكاتبه بني موريس.

ويقول موريس في كتابه الشهير «ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين»، إن الرواية الرسمية حول اللاجئين الفلسطينيين لا توافق السجلات التاريخية الموجودة في الأرشيف العسكري الإسرائيلي. وتشير هذه السجلات إلى ضغوط من قبل التنظيمات الإسرائيلية عمدت إلى تفريغ السكان من أراضيهم حتى قبل أن يعلن قيام دولة إسرائيل.

والكتاب الثاني هو لإيلان بابي والذي يناقش موضوع بريطانيا والصراع العربي الإسرائيلي. ويرى بابي أن بريطانيا سعت إلى منع قيام دولة فلسطينية ودعم قيام دولة يهودية. وفي كتاب لاحق حول موضوع اللاجئين الفلسطينيين يرى بابي أن القوات الصهيونية قامت بعمليات تطهير عرقي ممنهج لإفراغ فلسطين من أهلها.

أما كتاب شلايم فيعالج موضوعاً شائكاً بخصوص الدول العربية المحيطة بفلسطين ودورها في الحرب ضد إسرائيل. فالرواية الإسرائيلية الرسمية والشعبية، أن إسرائيل كانت محاطة بدول عربية تنوي تدميرها ورمي اليهود في البحر. ويقول شلايم إن الدول العربية لم يكونوا متحدين وعاقدين العزم على خنق الدولة اليهودية. بل بالعكس كان هناك تواطؤ بين بعض الدول العربية لاقتسام أرض فلسطين مع اليهود.

وقد رشح من هذه السجالات التاريخية خلافات كبيرة في الدوائر الأكاديمية والإعلام الإسرائيلي وتراشق بالاتهامات إلى حد التخوين. ويقول برنارد وسرستايين إن اسحق رابين، والذي يظهر في كتاب موريس أنه شخصياً قام بتصفيات عرقية ضد الفلسطينيين أثناء النكبة، منع بوصفه وزيراً للدفاع الأخير من الاطلاع على الوثائق في الأرشيف الإسرائيلي. وقد عانى موريس عزلة أكاديمية في إسرائيل ولم يحصل على وظيفة في الجامعات الإسرائيلية إلا بعد تدخل من الرئيس الإسرائيلي عزرا وايزمن واتصاله شخصياً برئيس جامعة بن غوريون، وحينها عين بتلك الجامعة.

ولا يخلو من هذه المجموعة من بعض المثقفين والناشطين والصحافيين من مجموعة الذين أرادوا مراجعة تاريخ الدولة العبرية وقيامها ولا سيما في السنين الأولى من تكوين هذه الدولة. وقد سبق سميحا فالابان الصحافي والناشط السياسي المؤرخين الأكاديميين في تحطيم ما أسماه الأساطير الصهيونية في كتابه الشهير «ميلاد إسرائيل: الأساطير والحقائق» يستعرض فيها كثيراً من المزاعم الصهيونية حول النكبة ويدحضها، فيما يتعلق بمسؤولية اللاجئين والحرب العربية - الإسرائيلية الأولى في 1948.

ومن خارج المؤسسة الأكاديمية أيضاً، هناك توم سيجف، المؤرخ والصحافي في جريدة هآرتس، والذي خاض غمار النقاش التاريخي حول النكبة. كما أنه نشر كتاباً حول نكسة عام 1967. ويرى سيجف أن الهجوم الإسرائيلي على مصر لم يكن مبرراً وأن إسرائيل لم تواجه تهديداً وجودياً، كما تدعي. بل أن القادة العسكريين الإسرائيليين أرادوا الحرب وفكروا في انقلاب عسكري لتحقيق هذه الحرب.

وقد وجه المؤرخون التقليديون سهام نقدهم للمؤرخين الجدد. وقالوا إن كتابة التاريخ بالنسبة لهؤلاء تتماهى مع الأوضاع السياسية حينها الداعية لحل سلمي بين الطرفين. وأن المؤرخين الجدد يلون عنق الوثائق للتوافق مع أطروحاتهم وليس مع ما حصل.

وللحقيقة فإن كتابات المؤرخين الجدد كان له تأثير على العملية السلمية. ويقول شلايم إن المفاوضين الفلسطينيين أشاروا إلى كتابات المؤرخين الجدد في التفاوض مع إسرائيل وتحميلهم مسؤولية اللاجئين. ويشير شلايم إلى شلومو بن عامي وزير الخارجية الإسرائيلي في مفاوضات كامب ديفيد في العام 2000، والذي ذكر أن المفاوضين الفلسطينيين استعانوا بأطروحات المؤرخين الجدد لتعزيز موقفهم التفاوضي مع الإسرائيليين.

الخلاصة أن التاريخ مهم جداً والأهم أن نسمع رواية الجانب العربي للنكبة برؤية جديدة.

كاتب وأكاديمي

تعليقات

تعليقات