الصدر والتحوّلات الإيجابية للعراق

يعكس التغيير الزلزالي في الانتخابات العراقية التي جرت أخيرا تحولات هيكلية عميقة في المجتمع العراقي. وفاز حزب مقتدى الصدر بأكبر عدد من مقاعد النواب، على الرغم من أنه لم يكن يمثل الأغلبية. لكن تحوله الواضح من رجل دين مناهض للغرب وموالٍ لإيران إلى قومي مناهض لطهران والفساد، هو جزء من صورة أوسع للتغيير في البلاد وفي جميع أنحاء المنطقة.

وفي الوقت الذي يتعافى فيه العراق من صراع مدمر مع داعش، ويعطي فكرة جديدة لمكانته في المنطقة بما في ذلك إعادة تقييم علاقته بإيران المنبوذة على نحو متزايد، والتشكيل المحتمل لائتلاف بين الصدر رجل الدين القومي ورئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، لا يبدو ملائما. لكن هناك تناغم كبير في أولويات العبادي والصدر.

وأي تحالف بين المسؤولين سيعتبر لحظة مهمة بالنسبة للعراق والشرق الأوسط والسياسات الغربية في المنطقة، حيث إن الصدع في السياسة الإقليمية ينتقل بعيداً عن الطائفية البغيضة، ويميل إلى الاختيار بين التحديث والتطرف. لقد شكل صعود الصدر من زعيم ميليشيا طائفية ومعارض للاحتلال الأميركي إلى بطل شعبي الموضوع الرئيسي في الانتخابات العراقية.

ومثل الصدر، الذي ينحدر من عائلة دينية، مشهدا إسلاميا بارزا واتسم بقدرته على الإقناع على النقيض من الميليشيا الشيعية الطائفية الأخرى كجيش المهدي، وقد خاض تحولات سياسية بشأن تحالفات العراق بلغت ذروتها في عقده اجتماعات رفيعة المستوى مع القيادة السعودية.

وتحوّل الصدر هو بحد ذاته يعتبر مؤشرا على تحول أوسع لدى الناخبين العراقيين، بعيدا عن التصويت الأيديولوجي القائم على الهوية نحو البراغماتية والرغبة في الحكم الفعال.

وتشير استطلاعات الرأي التي أجراها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن الناخبين يتخلون بشكل متزايد عن الهوية الطائفية البغيضة، ويتحولون بدلاً من ذلك إلى القومية التي تسعى إلى التخلص من أغلال التأثيرات الخارجية والمصالح الدولية.

يبدو أن تمرد داعش الذي دمر شمال العراق وغربه لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة كان له أثر في جمع أشتات دولة العراق التي عانت من الحصار الشديد، على النقيض مما توقع الكثيرون.

لكن على الرغم من النجاح الذي حققه العراق في مواجهة آفة الطائفية والتشدد، إلا أن القيادة الجديدة لا يجب أن ترتكز على أمجادها السابقة، ما لم يتم التعامل مع الدوافع الكامنة وراء التشدد الذي تمثل بداعش والميليشيات الشيعية، فالتظلم الطائفي، وتسييس الدين، والحكم الفاسد، كل ذلك يخاطر بإعادة ظهور التهديد الذي مثله داعش.

وعلى الرغم من الإشارات المتفائلة الناجمة عن الانتخابات، تواجه الحكومة الجديدة المزمع تشكيلها تحديات كبيرة. ستكون الأولوية معالجة الفساد وإعادة بناء اقتصاد العراق. وتعني تعهدات هذه الحملة، ورسالة «العراق أولاً»، أن الصدر استطاع تجاوز الانقسامات الطائفية، حيث وجدت استطلاعات الرأي أن أكبر مجالات الدعم له كانت في المجتمعات المختلطة من الشيعة والسنة والأكراد وغيرهم.

وبالمثل، فإن دور الصدر بشأن التغلغل الإيراني في العراق له أهمية كبيرة، ويرجع ذلك عادة إلى إدراكه أن طهران لها تأثير مزعزع للاستقرار في البلاد. وعندما زار الصدر السعودية الصيف الماضي أخبر المسؤولين أن الشيعة في العراق لن يكونوا امتداداً للثورة الإيرانية، وطالب في زيارته بأن يكون السعوديون والعرب أكثر حضوراً في المشهد العراقي.

لقاء الصدر الأخير مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان هو جزء من إعادة تنظيم أوسع نطاقاً في الشرق الأوسط، بعيداً عن المصالح الطائفية المتنافسة، باتجاه التحديث والإصلاح من جهة، مقابل أولئك الذين يثيرون الانقسام الطائفي والعنف المتطرف من جهة أخرى. وفي حين ينظر إلى الصدر على أنه مناهض للغرب، فإن الواقع يبدو أكثر تعقيدًا.

ويعتقد أنه أصبح يحبذ بقاء القوات الأميركية في العراق، نظراً لتأثيرها على استقرار العراق، وفي ضوء تفضيله الواضح للتعاون مع العبادي، الذي كان شريكاً حاسماً في محاربة التحالف الدولي ضد داعش، يبدو أنه منفتح على بناء الجسور مع الغرب.

كما أدان الصدر تدويل التشدد الشيعي، قائلا في مقابلة أجريت معه أخيرا إن حكومة الولايات المتحدة كانت على صواب في تسمية الميليشيا العراقية التي تدعمها إيران والتي تقاتل في سوريا على أنها إرهابية. والتحدي بالنسبة للغرب يكمن في تحديد موقف الصدر تجاه العراق الذي يجب أن يمثل قوة رئيسية وشريكًا حاسمًا.

ومن المرجح أن الصدر يصمم علاقته مع القوى الغربية، مستخدما العبادي كغطاء، لكنه سيحتاج بوضوح إلى دعم غربي ليس أقله لإعادة إعمار بلد دمره العنف المتطرف. إن السجل السياسي النظيف هو نقطة بداية جيدة. الصدر لديه ماضٍ مشرف وهو يجسد العراق المتغير.

*محلل استراتيجي بريطاني

تعليقات

تعليقات