قبة الصخرة الفاتنة

أبعدتني الإعلانات منذ سنوات، عن متابعة الدراما التلفزيونية في السباق الرمضاني، وبت ككثيرين غيري، ألجأ إلى يوتيوب، لمشاهدة ما أتخير رؤيته، بعيداً عن الصخب الإعلاني المزعج الذي أصاب الناس بالضجر والغضب وبعض العته، وعن البرامج الحوارية التي لا يطيب لها إلا في الشهر الكريم، فتح الأرشيف علي الضيوف من الشخصيات العامة، في وصلات نميمة لا تكف عن «اللغوصة» في حياتهم الشخصية، والتلصص عليها، في تجاوز فظ للخيط الرفيع الذي يفترض أن يكون بين الصراحة والوقاحة، وبين الجرأة والجليطة، وبين المهنية والفهلوة، وبين خفة الظل والاستظراف، وبين ما يجب قوله في المنابر العامة الموجهة لعموم الناس من المحيط إلي الخليج، وما يقتصر الحديث عنه في مجالس النميمة في البيوت وعلى المقاهي، وهي من الآفات الاجتماعية التي تتطلب المسؤولية الإعلامية التصدي لها، لا التشجيع عليها بمثل تلك البرامج الرائجة، التي تتكلم كثيراً ولا تقول شيئاً ذا معنى، وتخاطب في المشاهدين كسلهم، ونزوعهم البدائي إلى التلصص على حياة الآخرين!

ظاهرتان لافتتان للنظر في دراما رمضان هذا العام، الأولى مبهجة وداعية للأمل في تواري النزعات القطرية الضيقة الأفق، والتي تتصاعد فقط في أوقات الانحطاط السياسي والثقافي، وتتمحور حول شعار «مصر أولاً»، تمثلت في المشاركة الواسعة للفنانين والمبدعين العرب من كافة المجالات في أعمالها المتنوعة، وشكل وجودهم حديثاً مشتركاً للمشاهدين، وكان جزءاً من مسرتهم الفنية ونشوتهم الروحية، مما أسفرت عنه تلك المشاركة من ثراء وحيوية، وما أتاحته من مجال واسع للمنافسة الإيجابية، التي تضفي قيماً جمالية وفنية، وتؤكد قدرة الفنون على أن توحد العرب، حين تفرق بينهم السياسة.

الظاهرة الثانية مؤسفة ومخيبة للآمال، وهي أن السباق الدرامي الرمضاني تواكب هذا العام، مع مظاهرات العودة التي يذكر بها الشعب الفلسطيني بدماء أبنائه العالم، أن له حقوقاً لن يصمت على ضياعها، وأن القدس عربية وعاصمة للدولة الفلسطينية، وأن تلك حقيقة راسخة لا يغير منها، اعتراف ترامب بها عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، فجاء السباق خالياً من أي جهد فني يساند هذا النضال الأسطوري لشعب أعزل، إلا من الإصرار على نيل الحق، في مواجهة الفاشية الإسرائيلية!

قبل سنوات أصدرت وزارة الإعلام في سلطنة عُمان كتاباً بديعاً للدكتور يوسف شوقي عن «مسجد قبة الصخرة» ينطوي على تأريخ بالصورة لجماليات هذا المسجد الذي يرتفع عن ساحة المسجد الأقصى بنحو أربعة أمتار، وتم بناؤه فوق الصخرة التي عرج منها الرسول عليه الصلاة والسلام إلى السماء.

عدت لتصفح الكتاب، لأنجو من إحساس بذنب لم أرتكبه، لأنه يحكي بالصورة بشكل تفصيلي أجزاء المسجد، التي تبدو من فرط دقتها وجمالها كأنها مجسدة بجانب بضع كلمات تساعد من يطالعه على تلمس تلك الجماليات وتذوقها والتعرف على أجزاء هذا الأثر الفريد الذي بناه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان في العام 72 للهجرة.

تجول بك كاميرا المؤلف، لتنقل لك بشكل مبهر الجماليات الهندسية والزخرفية لقبة الصخرة وموقعها من مدينة القدس، وتفاصيل أجزائها التي تتشكل من ثمانية أضلاع خارجية، وأخرى داخلية، فضلاً عن أبواب المسجد الأربعة، والدائرة التي تتوسطها القبة النحاسية المطلية بالذهب، والرقبة المزينة بالفسيفساء التي تحملها، والأعمدة المكسوة بالرخام، والقباب والأقواس الموشاة بالزخارف والنقوش، وآيات من القرآن الكريم، بالإضافة إلى الإشارات لمراحل الترميم والإضافات التي طالت المسجد في حقبات تاريخية متعاقبة، للحفاظ علي طرزه الهندسية وجمالياته الزخرفية النادرة التي تميز بها فن العمارة العربية والإسلامية إنه متحف في كتاب، من يتسنى له مثلي تصفحه، سوف يتبين له أنه سيناريو لفيلم تسجيلي بالغ الأهمية والدلالة، لأنه لا يحكي فقط عن أثر تاريخي، بل يتحدث في السياسة الآنية، حين يجدد التأكيد بفن الصورة المتقنة ذات الذوق الرفيع، التي تستند إلى معرفة تاريخية دقيقة بقيمة قبة الصخرة، وبمدى ارتباطها بالمسجد الأقصى، وبمدينة القدس.

ولو أنني مكان من يعملون في الأفلام التسجيلية التلفزيونية، لشرعت فوراً في عمل فيلم تسجيلي استناداً إلى هذا الكتاب، متمنية على وزارة الإعلام في سلطنة عُمان، إعادة طبعه، وتشجيع من يتحمسون لتحويله إلى فيلم تسجيلي، يخوض بالفن معركة التأكيد أن القدس عربية.. عربية.. عربية، مهما بلغ التزوير الدولي مداه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات