الخطاب الديني الذي نريد

الخطاب الديني الإيجابي له سمات ظاهرة، ومعالم واضحة، فهو خطاب علم وحكمة وسعادة وحضارة، يعزز قيم السعادة الدنيوية والأخروية، ويحقق مصالح الناس في عاجلهم وآجلهم، وينشر بينهم أرقى القيم في التخاطب والتعامل، ويحفزهم على بلوغ قمم الحضارة، ليكونوا مؤثرين إيجابيين في غيرهم، فهو خطاب يضيء للناس حياتهم، ويبث الطمأنينة واليقين في جنبات نفوسهم، ويهديهم إلى سواء السبيل.

ومن الحقائق التاريخية والواقعية أن الخطاب الديني تعرض لمحاولات اختطاف منذ القدم، من قبل أهل الشُّبه والأغراض من المتطرفين والمنحلين، الذين سعوا لتوظيفه لصالح أجنداتهم المشبوهة، لتدمير المجتمعات والدول، ومما عاناه العالم العربي والإسلامي والغربي في هذه الفترة خطر الإرهاب، الذي تمثل في التنظيمات المتطرفة، وبالأخص التنظيم الدموي الوحشي داعش، الذي حاول اختطاف الخطاب الديني، وإلصاق مفاهيمه المغلوطة بتعاليم الإسلام السمحة البريئة منها.

ومع تراجع هذا المشروع الإرهابي الذي كان مخططاً له أن يضرب الشرق الأوسط وانحسار مده العسكري والإعلامي بدأت محاولات خفية غير مباشرة لإنعاشه من جديد، وإضفاء الشرعية عليه، وإيجاد المبررات الدينية له، فانبرت ألسنة وأقلام لخدمة هذا الغرض، فبدأت بنشر أطروحات لإقناع الناس بأن هذه التنظيمات الإرهابية ليست سوى امتداد لمدارس فقهاء الإسلام، وعلى رأسهم الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، رحمهم الله، مما مثَّل ذلك تجديداً لخطر الإرهاب على المجتمعات العربية والإسلامية، وإعادة تسويق للمشروع الداعشي في الوطن العربي والإسلامي، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وصاحب ذلك إعادة إنتاج خطاب ديني مشوه كبديل عن ذلك، لم يلقَ قبولاً عند العامة والخاصة، لأنه يقوم على إلغاء جملة من الثوابت الأساسية، وإحلال ثوابت جديدة، تستند في جوهرها على مفاهيم سياسية دخيلة تخدم الثورة الناعمة ضد الأنظمة، باسم التجديد والتنوير والعصرنة، ليمثل ذلك حلقة أخرى من حلقات اختطاف الخطاب الديني لتحقيق الأغراض السياسية.

إن الخطاب الديني له علامات واضحة وأنوار ساطعة، لا يتوه عنها أهل البصائر والإنصاف، المتجردون من الأغراض والأطماع، فهو خطاب يتسم بالوسطية والاعتدال، ولا يميل لغلو ولا انحلال، يحافظ على القيم والثوابت، فهو يحافظ على العقيدة الإسلامية، وثوابت الإسلام المعلومة، كما يحافظ على الأخلاق والفضائل، ويمنع من التلاعب بذلك، ليحفظ للمجتمعات الإسلامية هويتها، ويحميها من الذوبان والاضمحلال أمام الحضارات الأخرى، ونجد اليوم للأسف دعاوى للإخلال بهذه المنظومة الأصيلة، فنجد بعضهم يقول في صريح العبارة في بعض لقاءاته: «بدون اختراق الثوابت لا يكون هناك تجديد»!!

ومن وظائف الخطاب الديني المحافظة على الضرورات الخمس الكبرى، التي جاءت الشرائع السماوية للمحافظة عليها، وهي: الدين والعقل والنفس والعرض والمال، فلا يبيح الإسلام الاعتداء على هذه الضروريات، بل يراعي حرمتها، وخاصة حرمة الدماء والأنفس، التي تهاون فيها أهل الإرهاب والثورات، واسترخصوا سفكها لتحقيق أجنداتهم السياسية.

ومن علامات الخطاب الديني الإيجابي المحافظة على وحدة المجتمع، وتماسك نسيجه، وتلاحم أفراده، واجتماع كلمته، ليكون الجميع كالجسد الواحد، محصنين من الفتن التي ترمي لتفريقهم وتمزيقهم، بخلاف الخطاب الديني السلبي الذي يكرس لروح الفرقة والنزاع والصراعات الداخلية تحت شعارات براقة، فيغدو المجتمع أحزاباً متفرقة، وجماعات متناحرة، ممزق الأشلاء، سهل الاختراق، وإذا دب النزاع في مجتمع أصبح أمنه واستقراره على المحك.

ومن أساسيات الخطاب الديني الذي ينشده العقلاء تعزيز الالتفاف حول ولي الأمر، والوقوف معه، وجمع الكلمة حوله، وعدم الخروج عليه تحت أي مسمى كان، والمتأمل اليوم يوقن بأهمية هذا الأصل المهم، ومدى أثره البالغ في استقرار الدول والشعوب، ويوقن خطر الدعاوى التي تنقضه، تحت شعار الثورات وإسقاط الأنظمة، والتي لم تجن منها المجتمعات إلا الخراب والدمار، واليوم يحاول بعضهم إعادة تجربة الثورات، ولكن بأساليب جديدة، ترتكز على الثورة الناعمة، والتي تقوم على توظيف الخطاب الديني والثقافي لإنتاج حراك سياسي يصب في نهاية المطاف في تغيير الأنظمة وإسقاطها، ولا بد علينا جميعا الحذر من هذا المسلك الجديد، وأن نقف مع قادتنا صفا واحدا ضد أي توجه مغرض.

والخطاب الديني الإيجابي كذلك يكرس ثقافة الاحترام بين الصغير والكبير ومع مؤسسات الدولة، ليكون المجتمع لحمة واحدة، تسوده قيم التسامح والاحترام، وتكون العلاقة بين الأفراد ومؤسسات الدولة علاقة إيجابية، تقوم على الدعم وتقديم الآراء بالطرق السليمة، بعيداً عن التحريض والتشويه والتهييج وتكتيل الناس، وخلق التصادم بين الأفراد والمؤسسات، مما يخدم أجندات أهل الفتن الذين يتحينون الفرص لتمزيق المجتمعات وبث الفرقة فيها بأي ثمن.

ومن علامات الخطاب الديني الإيجابي أنه يعالج المشكلات بحكمة وموضوعية وعلم، بالتصور الصحيح لها، وتحديد أسبابها ودوافعها، ووضع الحلول الوقائية والعلاجية المناسبة لها، بما يحقق المصالح العليا، ويدفع المفاسد والشرور، بعيداً عن الحظوظ الشخصية أو الحزبية التي تبعد الإنسان عن النظرة الموضوعية الصائبة تجاه هذه المشكلات والقضايا.

إن هذه المرحلة تقتضي من الجميع علماء ومثقفين وإعلاميين وغيرهم تعزيز الخطاب الديني الإيجابي في المجتمعات، المستند إلى الكتاب والسنة، وما نوه عليه علماء الأمة، والذي يرتكز على تحقيق المقاصد العظمى، وجلب المصالح الكبرى، ودرء المفاسد والسلبيات، وترسيخ الأمن والاستقرار، والمحافظة على الهوية الوطنية، وتعزيز قيم الولاء والانتماء، ليكون أداة فاعلة لتحقيق الخير للدول والشعوب ومواجهة مختلف التحديات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات