«كل» هذا لليهود «وهذا» لكل العرب!

كم نكبة يا ترى، علينا نحن العرب أن نتحمل، كي يحصل الشعب الفلسطيني على حقه الطبيعي في بناء دولته المستقلة على الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية؟ هربت من الإجابة على هذا السؤال الاستنكاري بالبحث عن معنى النكبة، فقالت لي القواميس أنها «مصيبة مؤلمة توجع الإنسان بما يعز عليه من مال أو حميم» أما من سك المصطلح لوصف الهزيمة العربية في حرب عام،1948 فهو المؤرخ السوري والمفكر القومي قسطنطين زريق، حين أصدر في نفس العام كتابه «معنى النكبة» وعرفها بأنها «ليست هزيمة العرب في فلسطين، بالنكسة البسيطة، أو بالشر الهين العابر، وإنما هي نكبة بكل ما في هذه الكلمة من معنى، ومحنة من أشد ما ابتلي به العرب في تاريخهم الطويل».

كانت أم كلثوم تشدو بحزن وألم بعد هزيمة يونيو 1967 قائلة بشعر نزار قباني: عشرون عاماً أبحث عن أرض وعن هوية، أمس الثلاثاء صارت النكبة سبعين عاماً لا عشرين.

وعلى طريقتها الأثيرة، احتفلت إسرائيل بهذه المناسبة، بالتصدي لمظاهرات العودة السلمية، وقتل 55 مواطناً عزل، وجرح أكثر من 2400 مواطن معظمهم من الصبية والشباب والأطفال، وهي أرقام مرشحة للزيادة بطبيعة الحال، وسط صمت دولي مشين، وإدانة عربية خجولة وخائبة. ولأنها محترفة تزوير للحقائق والتاريخ، فقد اعتادت إسرائيل أن تسمي احتلال فلسطين وتشريد من نجا من أهلها من المجازر التي ارتكبت بحقهم، وهدم قرى فلسطينية على من فيها، والسطو على ممتلكاتهم بيوم الاستقلال الإسرائيلي، كما سبق أن أطلقت على نجاح العصابات الصهيونية في التصدي لسبعة جيوش عربية عام 1948 بحرب الاستقلال.!

لم استطع أن أتحمل مواصلة الاستماع إلى خطب طائفية من نوع رذيل ورخيص تحض على التشدد الديني، وتحرض على الإرهاب، وتنطوي على سيل من الأكاذيب التي رافقت الاحتفال الهزيل والهزلي والمحاط بالتصنع والافتعال، بنقل السفارة الأميركية إلي القدس، والتي تبارى في سردها أشبين الحفل السفير الأميركي في إسرائيل، مع غيره من المسؤولين الإسرائيليين. وكانت أكثر تلك الأكاذيب وقاحة وصفاقة، قولهم معاً، أن القانون الدولي يعطي كل دولة الحق في أن تختار عاصمتها.

أغلقت التليفزيون قبل أن أسقط مغشياً علي من فرط الغيظ واليأس، ورحت أحصي عدد القرارات والقوانين الدولية التي داست عليها إسرائيل بالأحذية، وفي القلب منها قرار إنشائها. ففي 29 نوفمبر عام 1947، حين صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على القرار 181الخاص بتقسيم فلسطين، بتأييد من 33دولة واعتراض 13 دولة وامتناع 10 دول.

وكان وزير الدفاع الأميركي آنذاك «جيمس فورستال» هو من قال في مذكراته ما معناه أن الطرق التي تم استخدامها للضغط وإكراه الدول الأخرى، داخل الأمم المتحدة لتمرير هذا القرار كانت فضيحة.

والفضيحة تحققت بالفعل حين قضي بمنح الأقلية اليهودية التي كانت تبلغ آنذاك 630 ألفاً 55% من الأراضي، بينما اقتصر حق الأكثرية البالغة 1.3 مليون فلسطيني على 45 % من الأرض، مع وضع القدس تحت الوصاية الدولية. القرار بهذا المعنى لا يعطي الحق لنتانياهو أن يعلنها عاصمة أبدية لإسرائيل، كما لا يحق لترامب طبقاً لتصويت أكثرية الجمعية العامة برفض قراره، نقل سفارته إليها.

لا أعرف إن كان محمود درويش أم غيره من قال «كل» هذا لليهود و«هذا» لكل العرب، في وصف للمآسي التي حلت بالمنطقة منذ نشوء دولة إسرائيل، وانحياز الغرب الأوروبي والأميركي الأعمى لها.

لكن ما أعرفه بالتأكيد أن إسرائيل هي آخر دولة احتلال على خارطة العالم، وأن الشعب الفلسطيني الجبار والمثابر، هو الوحيد المحروم من الحق في بناء دولة، ومواصلة العيش بسلام وأمن وكرامة، وإذا لم يتفق العرب في اجتماعهم اليوم في الجامعة العربية، على السعي لتشكيل محور دولي جديد يتسم بالحياد والالتزام بالمواثيق والقوانين الدولية لبدء مفاوضات تسوية، بعد أن بات قيام دولة فلسطينية وفقاً لاتفاقيات أوسلو مستحيلاً، فسوف يطول الوضع كما صوره زكريا تامر، في واحدة من أجمل قصصه للأطفال التي تقول: إن لكل كائن حي بيتاً، ولكل بيت اسم، فالدجاجة لها بيت، وبيت الدجاجة اسمه الُكن، والأرنب له بيت، وبيت الأرنب اسمه الجحر، والحصان له بيت، وبيت الحصان اسمه الاسطبل، والسمكة لها بيت، وبيت السمكة اسمه البحر والعصفور له بيت، وبيت العصفور اسمه العش، أما الذي لا بيت له فهو الفلسطيني.!

بيت ودولة حق مشروع لكل فلسطيني إلى يوم الدين.

تعليقات

تعليقات