الإخوان والملالي وجهان لفاشية واحدة

أثناء عام حكمهم الأسود لمصر (2012-2013)، كان أمراً مثيراً أن يفتح الحكم الإخواني، المدعوم يومها من الإدارة الأميركية، أبواب الاتصال العلني والسري مع طهران، وأن تتوالى الزيارات للقاهرة من جانب مسؤولين إيرانيين، كان أبرزهم الرئيس الإيراني، يومها، أحمدي نجاد، الذي حرص على زيارة الأزهر الشريف، بينما كانت الزيارات المهمة والاتصالات الخطرة تجرى بعيداً عن الأضواء، وكان قصر الرئاسة في عهد المعزول مرسي، يستقبل مسؤولين في الحرس الثوري والمخابرات الإيرانية.

ولم يكن الحوار حول الإسلام، ولم تكن الأسئلة حول وقف التدخل الإيراني في الشؤون العربية الداخلية، ولم تكن فلسطين التي ادعى الجانبان «الإخوان وملالي إيران»، أنهما في الطريق لتحريرها، موضع بحث! مرسي كان قد خاطب شيمون بيريز، بأنه الصديق العزيز، والحرس الثوري لم يتوقف عن الهتاف للقدس على مدى السنين، بينما يتباهى قادته بأنهم يرفعون أعلامهم في العواصم العربية!

كان الإخوان قد استولوا على حكم مصر، بعد أن سرقوا الثورة التي كانوا آخر من اشترك فيها، وأول من غادر ميادينها، ليتفرغ لاستكمال مؤامرته للإمساك بالسلطة، وبنفس الأسلوب تقريباً الذي اتبعه الخوميني، حين تخلص من كل القوى التي شاركت في إسقاط حكم الشاه، ليقيم حكم الفاشية، الذي فرض الاستبداد على شعب إيران حتى اليوم، وصدّر الفوضى والإرهاب إلى دول الجوار، باسم الإسلام، البريء من كل ما يفعلون.

ولم تكن خدمة الإسلام محوراً للمباحثات بين الإخوان وقيادات الحرس الثوري والمخابرات الإيرانية، ولم يكن وضع أسس سليمة للعلاقات بين إيران وجيرانها العرب، محل أي اهتمام. كانت المهام محددة، مساعدة حكم الإخوان على إحكام قبضتهم على السلطة، ونقل التجربة الإيرانية للاستعانة بها كنموذج للحكم والاستبداد الذي يمارس الفاشية باسم الدين الحنيف.

كانت أسئلة الإخوان، تتركز على كيفية السيطرة على أجهزة الدولة ومؤسساتها؟، وكيف يحمون حكمهم من غضب شعب يعرفون أنه لن يسكت على ما فعلوه، ولن يتسامح مع ما يخططون له؟، ثم كيف يحكمون القبضة على الحكم ليستمروا فيه لخمسمئة سنة، كما قال رجلهم القوي «الشاطر» لوزير الدفاع «الرئيس السيسي»، في مواجهة شهيرة قبل 30 يونيو؟.

لم يقدر الإخوان يومها مدى صلابة مؤسسات الدولة الأقدم في التاريخ في الدفاع عن هوية مصر. حاولوا اختراق كل المؤسسات.. بدءاً من الصحافة والقضاء، وحتى الجيش والشرطة، المقاومة الشرسة من شعب مصر، جعلتهم يحاولون السير في الطريق الذي سلكه حكم الملالي في إيران. بدؤوا في إعداد أجهزة موازية للمخابرات، وقد كان للجماعة تاريخ طويل في تدريب أفرادها على ذلك، وفي أن يكون لها قسم خاص يتولى المهمة داخل الجماعة منذ تأسيسها.

ثم كان الأهم، وهو المضي في طريق «الحرس الثوري»، بتجميع فصائل الإرهاب الحليفة مع الجهاز الخاص داخل الجماعة، وفتح أبواب سيناء أمامهم، لتكون ساحة تدريب رئيسة، بالإضافة إلى ساحات أخرى داخل البلاد، أو في ليبيا والسودان.

لماذا نستعيد هذه التجربة البائسة؟!

لأنها تقول، بوضوح وبساطة، إن الفاشية الدينية واحدة، وإن تعددت وجوهها أو اختلفت الرايات التي ترفعها، لم يستدعِ الإخوان، عندما هيئ لهم، أنهم سيحكمون مصر لمئات السنين، شيئاً من الديمقراطية التي كانوا يدّعون أنهم آمنوا بها، ولم يطلبوا العلم ممن يملكونه، ولم ينفتحوا على عالم عربي لا يمكن لمصر إلا أن تكون في قلبه.. لم يفعلوا شيئاً من ذلك، بل ذهبوا إلى الوجه الآخر للفاشية الدينية، بعد أن كانوا يعلنون العداء لها!، ذهبوا إلى الملالي، على وهم أن يمنحوا الحكم لمرشدهم (!)، كما استولى عليه المرشد في إيران. وذهبوا إلى الحرس الثوري يطلبون «كتالوج» الدولة الموازية، متوهمين أنهم يستطيعون تطبيقه في مصر..

الاثنان وجهان لعملة واحدة، تجارة الدين تقود إلى نفس الطريق، الاستيلاء على السلطة عن طريق جماعة تدّعي أنها وحدها هي «جماعة المسلمين»، لا يعني إلا مصادرة العقل وقهر الإنسان والاستبداد الذي رأيناه مع حكم الإخوان في مصر، ولا نزال نراه في حكم الملالي في إيران. هكذا فعلوا بالعراق، نشروا الميليشيات تحت رايات شيعية، وإشراف من الحرس الثوري، ورعاية «غير كريمة» من الذين غزوا العراق، ودمروا دولته، وسلموها لحروب الطوائف، التي ما زالت تكافح ببسالة للخلاص منها.

الآن.. تتعدد الوجوه، لكن الأساس واحد، ميليشيات بأقنعة تدّعي تمثيل الشيعة، ويقودها الحرس الثوري الإيراني، وميليشيات بأقنعة تدّعي تمثيل السنة، وتقودها جماعات خرجت جميعها من عباءة الإخوان وفكرهم التكفيري، إيران تدعم من جانب، وتركيا تدعم من جانب آخر، ومعها حكام قطر، الكل في معسكر واحد، يعادي العروبة، ويضرب الدولة الوطنية، ويقدم للكيان الصهيوني، الخدمة التي يتمناها، وهي ألا يكون وحده هو الممثل للدولة الفاشية التي تقوم على الدين، وتغتصب حقوق الآخرين.

ولا يمكن أن تكون كل تضحيات الشعب اليمني، من أجل أن يستبدل فاشية دينية بأخرى مثلها أو أسوأ. لا فرق هنا بين ميليشيات تدعمها إيران، وميليشيات تنتمي إلى الإخوان، أو تفرعاتهم من القاعدة إلى الدواعش. تضحيات شعب اليمن، هي من أجل الخلاص من كل هذه الأوبئة. الدعم العربي هو من أجل يمن موحد في دولة مدنية، لا تحكمها الطائفية، ولا تدين بالولاء لمرشد من طهران، أو آخر في مخبأ إخواني، ولن تكون خاتمة نضال الشعب اليمني بكل أطيافه، إلا اليمن العربي الموحد.

هذا ما يؤمن به كل عربي مخلص لعروبته، وما تقاتل الإمارات من أجله، وتقدم أجله التضحيات، ولهذا تستمر الحملات المسعورة التي تكشف تحالف الفاشية الدينية بين الإخوان والحرس الثوري.. تحالف محكوم بالهزيمة، مهما تلقى من دعم، ومهما ارتدى من أقنعة.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon