انتهت دورة العنف القاتمة التي دامت 30 عاماً بعد اتفاقية «بلفاست» أو «الجمعة الحزينة» في عام 1998، مع الاتفاق على تقاسم السلطة بين لندن ودبلن في إيرلندا الشمالية، بين الوحدويين البروتستانت الذين أرادوا الحفاظ على مكانة أيرلندا الشمالية كجزء من المملكة المتحدة، والقوميين الجمهوريين الكاثوليك الذين أرادوا الانضمام إلى جمهورية إيرلندا.

لكن بعد 20 عاماً من توقيع الاتفاق، فإن تلك الاتفاقية تبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

وأدى تصويت المملكة المتحدة على مغادرة الاتحاد الأوروبي عام 2016 إلى تعميق الانقسامات التي لم تلتئم أصلاً بعد اتفاقية السلام. وقد انهارت الحكومة المشتركة قبل 14 شهراً، بعد فضيحة تتعلق بالإنفاق العام، ولم يستطع الديمقراطيون الوحدويون ولا «شن فين»، إعادة تشكيلها.

فالأحزاب منقسمة على مجموعة من القضايا الخاصة بالسياسات، لكن التصويت على «بريكست» هو ما غير الدينامية. لندن ودبلن على خلاف بشأن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يقوض الإجماع الذي دعم اتفاقية السلام على مدى عقدين. بالنسبة إلى العديد من الكاثوليك في أيرلندا الشمالية، فإن العضوية في الاتحاد الأوروبي كانت جزءاً مهماً من الصفقة للبقاء في المملكة المتحدة.

وتزداد المخاوف من أن تؤدي مغادرة المملكة المتحدة للاتحاد الأوروبي إلى إعادة المراكز الحدودية التي تمت إزالتها بعد اتفاقية السلام، مما يعطل حرية الحركة على الحدود، ليس هذا فحسب، بل قد تصبح الحدود أيضاً هدفاً لمجموعات شبه عسكرية من المنشقين العازمين للعودة للعنف.

كل هذا يشكل مصدراً للقلق، لكن السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان يمكن إعادة جمع مؤسسات أيرلندا الشمالية. يقول المدير المؤسس لمركز دراسات الحدود في ارماغ، أندي بولاك:

«كل من تتحدث إليه في الشمالية هو مشكك بشأن عودة المؤسسات في المستقبل القصير والمتوسط» ويضيف: «اتفاقية السلام كانت أمراً معطى منذ عام 1998، لكن للمرة الأولى يتساءل الناس الآن ماذا يمكن أن يحدث إذا الاتفاقية تم تقويضها بشكل حقيقي بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي».

وتقول العالمة السياسية في جامعة كوين في بلفاست، كاتي هايوارد، إن «مزيجاً ساماً» من الأحداث الأخيرة عمقت الإحساس بعدم الآمان في المنطقة، وتفيد أن «الخطر الأكبر على عملية السلام ليست من مجموعات شبه عسكرية، بل من تفكك الآلية السلمية الديمقراطية التي تعمل السياسة من خلالها في إيرلندا الشمالية».

وكانت من إنجازات الاتفاقية أن غالبية الناس، بمن في ذلك الكاثوليك، قالوا إن النتيجة السياسية المفضلة لديهم لإيرلندا الشمالية تكمن في وضع تفويض للسلطة داخل المملكة المتحدة، لكن المشكلة أن العملية كانت بحاجة لتفويض لكي تعمل بشكل صحيح للخروج بسيناريو سعيد للجميع».

وبعد عقود من الصراع الطائفي، فان الإنجاز الأكبر في الاتفاقية كان في وضع حد للحملات شبه العسكرية الفتاكة. وهذا أدى إلى تحول في آيرلندا الشمالية، مزيلاً تهديد العنف من الحياة اليومية. وأسفرت الاتفاقية عن فتح الحدود المحصنة، وسحب القوات البريطانية من شوارع المنطقة وإيجاد قوة شرطة جديدة. وكانت مقاسمة السلطة واحدة من عدة مؤسسات سياسية جديدة تم إنشاؤها، بينها جمعية برلمانية في ستورمونت خارج بلفاست بسلطات تشريعية بتفويض من لندن، وهيئات عبر الحدود مدارة مع دبلن.

وقد شكلت الاتفاقية تتويجاً لجهود مطولة لحل واحدة من الصراعات الأوروبية الأكثر رسوخاً، لكن الخلافات لا سيما التشدد أعاق تقاسم السلطة لسنوات، ولم تبدأ المؤسسات في العمل بسلاسة نسبياً.

إلا عام 2007، عندما دخل مؤسس الحزب الديمقراطي الوحدوي ياين بايسلي الذي رفض اتفاق 1998، الحكومة مع مارتن ماكغينيس من «شين فين»، الزعيم السابق للجيش الجمهوري الإيرلندي الذي قاد استراتيجية السلام للحركة الجمهورية مع غيري أدامز.

في الأصل، منح الاتفاق القوميين والجمهوريين كلمة هامة في حكومة المنطقة، مع الحفاظ على الرابط البريطاني العزيز على قلب الوحدويين. وسمح الاتفاق أيضا باستفتاء نهائي لتشكيل آيرلندا موحدة، إذا كان مدعوماً بأغلبية مستقرة، وهي كانت طريقة لوضع جانباً لفترة لاحقة السؤال الأكثر إثارة للخلاف.

وقال جورج ميتشيل، السناتور الأميركي المتقاعد التي ترأس المباحثات لفايننشال تايمز: في المستقبل سيكون هناك قرارات صعبة ينبغي اتخاذها.

وعلى الرغم من أن اتفاق مقاسمة السلطة لم يكن متناغماً بالكامل، إلا انه تغلب على سلسلة من الأزمات. لكن التوتر بشأن «بريكست» أخيراً فاقم الأوضاع سوءاً. فقد اتخذ الحزبان طرفي النقيض في استفتاء عام 2016، وفيما دعت زعيمة الحزب الديمقراطي الوحدوي ارلين فوستر إلى التصويت على المغادرة، خاض «شين فين» حملته من أجل البقاء.

كما أن مطالبة شن فين منح إيرلندا الشمالية «وضعاً خاصاً» في البقاء في الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا أمر مكروه على الحزب الديمقراطي الوحدوي، الذي يقاوم بشدة فكرة وضع المنطقة في نظام سياسي مختلف عن باقي بريطانيا.

وفي الخلفية، هناك انتخابات يونيو الماضي التي تركت الأحزاب الوحدوية بدون أغلبية واضحة للمرة الأولى.

لكن هناك المزيد من العوامل التي تتصف بالتعقيد. أولا خسارة ماي للأغلبية البرلمانية العام الماضي.

ثانياً، ضغوط ماي لمغادرة الاتحاد الجمركي والسوق الداخلية أدت إلى رد فعل من رئيس وزراء أيرلندا، ليو فرادكار.

وتبدو دبلن حريصة على تسهيل العلاقات مع الوحدويين. ففي خطاب أخير في واشنطن، قال فرادكار «إنه لا يحمل أجندة مخفية» في المباحثات.

وكان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أشبه باصطدام قطار بترتيبات اتفاقية السلام، مطيحاً بها عن السكة، ويقول نائب الرئيس السابق لمجلس الشرطة في إيرلندا الشمالية، دنيس برادلي: «الحزب الديمقراطي الوحدوي لا يعترف بواقع أننا أوروبيون، وكان هذا جزءاً من التسوية، وقد كسر «بريكست» الرابط بين القومية واحتمال بقاء إيرلندا الشمالية ككيان سياسي داخل المملكة المتحدة».