الجنرال الديمقراطي

ربما كان خالد محيي الدين يصف نفسه، وهو يتذكر عند مغادرته مطار القاهرة منفياً إلى سويسرا عام 1953 قول ولي الدين يكن: مساكين أنصار الحرية، يدافعون عنها، فيفقدون هم حريتهم.

وكان خالد قد اختلف مع مجلس قيادة ثورة 23 يوليو، بعد نحو عام من اندلاعها، وكان هو أحد أعضاء المجلس بصفته قائداً لسلاح الفرسان، الذي لعب دوراً محورياً في نجاح الثورة. وقام جوهر الخلاف حول الشعار الذي رفعه جمال عبد الناصر حينئذ، وهو: إما الثورة أو الديمقراطية، إما أن تستمر الثورة بحزم وتبني نفسها، وتبني البلد وتتحمل المسؤولية، وإما إطلاق الحريات الديمقراطية بلا حدود.

وكان محيي الدين يظن أن سياسة وضع تناقض بين الثورة والديمقراطية خاطئة، ويعتقد أن الطريق الصائب الذي ينبغي أن يسلكه قادتها، هو الحفاظ علي الثورة، عبر مسار ديمقراطي يطبق الهدفين معاً، بإجراء انتخابات لجمعية تأسيسية تتيح تكوين الأحزاب وتعد لانتخاب برلمان جديد وتبقي لمجلس قيادة الثورة سلطة السيادة.

حين احتدم الخلاف قدم خالد استقالته من المجلس، وقرر عدم العودة إلي الجيش. وآنذاك استدعاه عبد الناصر، وعبر له عن رفضه أن يبقى داخل مصر، بعد قبول استقالته، وقال له نصاً كما كتب في مذكراته:

اسمع يا خالد، احنا أصدقاء، لكن المصلحة العامة حاجة تانية، وأنت عارف إنك زي العسل، سوف يتجمع حولك كل الذباب، وتبقى مشكلة، ونتصادم، وأنا لا أحب أبدا أن أتصادم معك، وأنا أفضل أن تسافر للخارج. ولم يقبل عبد الناصر طلب خالد بالسفر إلى باريس أو روما، لخشيته من أن ينخرط في الأجواء اليسارية النشطة في العاصمتين الأوروبيتين.

ولأنه كان نفياً ولم يكن سفراً، فقد تم اختيار سويسرا ليعيش فيها منفياً لنحو ثلاث سنوات، قبل أن يعود إلى مصر ليؤسس صحيفة «المساء» لتغدو منبراً معبراً عن اليسار المعتدل كما أراد عبد الناصر.

ولأن العهد الذي تلا غياب ناصر عن الساحة السياسية قد سمح بمجال لا سقف له للانتقام من تجربته الرائدة كأحد أبرز قادة حركة التحرر الوطني في العالم، وتصفية حسابات الخصوم والأعداء معه ومعها، بسيل من الكتب والحملات الصحفية المأفونة، والمذكرات السياسية المليئة بالافتراءات والأكاذيب.

ولم تترك نقيصة لم تلصقها بعهده وبشخصه، فلم يكن مثيراً للدهشة أن يكون خالد محيي الدين في طليعة من تصدوا لتلك الحملات التي تهيل التراب على تاريخ الشعب المصري وتضحياته من أجل التحرر من الاستعمار، والاعتماد على النفس ببناء قاعدة صناعية للتنمية المستقلة، وتحقيق العدل الاجتماعي. ظن كثيرون أنه في عالم الصراع على السلطة تتوارى المشاعر وتسقط العواطف.

وتنهار الصداقات الحميمة، وتخبو المودات، ويدير الرفيق ظهره للرفيق، وتتصدر قسوة القلب ومرارات النفس ما عداها من مشاعر وأحاسيس، لكن من راهن على أن يكون الأمر كذلك مع خالد محيي الدين، لم يكن يعرفه.

فحين بات مسموحاً بتشكيل الأحزاب، تزعم الدعوة مع فريق من قادة اليسار المصري من مختلف التيارات لتشكيل حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، الذي انطوى برنامجه التأسيسي على مبادئ ثورة يوليو الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وضم في صفوفه الناصريين والقوميين والدينيين المستنيرين وفصائل متعددة من اليسار، وهي صيغة فريدة في العمل الحزبي والسياسي، لعبت شخصية محيي الدين المتفردة الدور الرئيسي بجانب عوامل أخرى في نجاحها واستمرارها.

وحين قرر خالد محيي الدين أن ينشر مذكراته، التي بدأ في تدوينها في سنوات المنفى في سويسرا، كان ذلك في عام 1992واختار لها عنوان «والآن أتكلم» وهو عنوان يقول من بين ما يقول إنه يدلي بشهادته عن الثورة التي شارك في قيامها ليقدم الحقيقة كما عاصرها ويستكمل جوانبها، بعد أن هدأت العواصف وبعدت المسافات، وأصبح الصمت ترفاً لا يليق بمن هم في مكانته.

لا سيما وهو بطل لمعركة الدفاع عن الديمقراطية، وفي هذه المعركة لم يستخدم السلاح لإنهائها، بل احتكم للحوار، وجسارة التمسك بمبدأ أن بعث الحياة النيابية، وعودة الديمقراطية من شأنه أن يكرس المكانة السياسية لثوار يوليو، وأن يرتبط بالمصالح الحقيقية للشعب والوطن. وكانت تلك المعركة كما وصفها في كتابه مسألة حيوية لمصر ويستحق الإنسان أن يضحي من أجلها بالمنصب مهما كان رفيعاً، وبالنفوذ مهما كان كبيراً.

وبرحيل خالد محيي الدين، تطوى صفحة ناصعة من تاريخ مصر المعاصرة، انطوت على معارك باسلة مبللة بالدموع والنشوات العليا، والأحلام المحلقة في السموات، تبتهل الأمة إلى الله أن تنزل من عليائها، لتستقر على أراضيها!

* رئيسة تحرير جريدة «الأهالي» المصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات