من المذهل أنه في غضون تلك الفترة القصيرة من ثلاثة أشهر، انتقل الوضع السياسي في شبه الجزيرة الكورية من حافة الحرب الى أجواء غير مألوفة من الأمل.

كان العقل المدبر وراء هذا العرض بأكمله، بدءاً من أولمبياد بيونغ تشانغ وصولاً إلى اللقاء المقبل بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري كيم جونغ أون، الزعيم الكوري الشمالي نفسه.

كان كيم من سعى وراء مشاركة كوريا الشمالية في الأولمبياد، وكان هو من دعا رئيس كوريا الجنوبية مون جاي-إن إلى بيونغيانغ، وهو من أخبر وفده عن اهتمامه بلقاء الزعيم الأميركي واستعداده لمناقشة نزع السلاح النووي وتعليق اختبارات الأسلحة وقبول استئناف التدريبات العسكرية المشتركة الأميركية الكورية الجنوبية.

وقد بات الخوف من التهميش واضحاً في بكين. ففي حين لعبت بكين دوراً حاسماً في ضمان بقاء كوريا الشمالية والاستقرار السياسي في المنطقة، تجد نفسها الآن على الهامش فيما القرارات الحاسمة تجري في سيئول وبيونغيانغ وواشنطن.

وعندما اتصل ترامب بالرئيس الصيني تشي جينبينغ في اليوم الذي تلا قراره المتعلق بلقاء كيم، لا شك في أن الرئيس الصيني قدر استشارته بالمسألة عالياً، وقال إنه يأمل ببدء الحوار مع كوريا الشمالية في أقرب وقت ممكن.

في اليوم نفسه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية جينغ شوانغ إنه من المهم لكل «الأطراف ذات الصلة» أن تتابع الأمر عن طريق «بذل جهود متناغمة ومتضافرة».

وعندما سئل ما إذا كانت الصين سترحب بفرصة استضافة اجتماع ترامب- كيم، رد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية بعبارات حذرة، ترتقي إلى مستوى «نعم، لكن يتعين أن يُطلب منا ذلك أولاً».

وبعد أن كانت الصين ضامنة لأمن كوريا الشمالية ووجودها لسنوات، فإنها تجد نفسها اليوم في موقف حرج يتعلق بعدم معرفة ما إذا كانت الولايات المتحدة أو كوريا الشمالية على استعداد لعقد هذا الاجتماع على الأراضي الصينية. لكنها لا تزال متمسكة بمبادئها المتمثلة في تفضيل حل يجري التفاوض عليه على العقوبات الاقتصادية والعمل العسكري.

ومن أجل تذكير العالم بمساهمات الصين، أصدرت صحيفة «غلوبال تايمز» التي تصدرها «بيوبل ديلي» الرسمية مقالاً أخيراً أكدت فيه أنه «مع انتزاع كيم وترامب عناوين الصحف الرئيسية والاستمتاع بالأضواء، فإن هناك شيئاً يستحق الاهتمام الخاص يتمثل في دور الصين في التشجيع لقمة أميركية كورية شمالية».

ولعبت العقوبات الاقتصادية، وفقاً للمقال «دوراً أساسياً في إجبار بيونغيانغ على إعادة احتساب معادلة الكلفة والمنفعة» كما أن «تطبيق الصين الصادق لها ساعد في جعل قرارات مجلس الأمن فعّالة».

وتدعي الصين الفضل في الاختراق الذي حصل في العلاقات بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية. ففي النهاية، قامت بإرسال مبعوثين الى بيونغيانغ لشرح موقفها وإقناع الشمالية بالتفاوض.

وأفادت غلوبال تايمز: «على الرغم من أن جهود الصين لم تثمر نتائج مباشرة، فان اتساق تلك الجهود ساعد في إقناع كوريا الشمالية أن لا مستقبل لها في احتفاظها بالأسلحة النووية وأن الطريق الوحيد للخروج من مأزقها يكمن في التخلي عن الأسلحة النووية».

أما بالنسبة إلى مباحثات ترامب-كيم، فتتوقع الصين «معركة شاقة في الفترة التي تسبق الاجتماع» لكن تعليق غلوبال تايمز يعدنا بأن الصين «ستلعب دوراً كبيراً في هذه العملية».

وهذا يعد التزاماً مهماً لا تزال تفاصيله غير واضحة. وقد أفادت كوريا الشمالية أنها في سبيل التخلي عن الأسلحة النووية، يجب ضمان سلامة نظامها وإزالة التهديد العسكري ضدها، فيما جاء في مقال صحيفة غلوبال تايمز: «نعتقد بأن أياً من الشروط المسبقة لا يمكن تلبيتها من دون مشاركة الصين النشطة ودعمها».

وهذا شيء ينبغي أن تمنحه إدارة ترامب تفكيراً عميقاً. فما هي الإجراءات التي يجب أن تتخذها لإزالة التهديد العسكري ضد بيونغيانغ ولطمأنة النظام على سلامته؟ هل ستحتاج إلى سحب قوات أميركية من كوريا الجنوبية؟

لا يستطيع ترامب أن يدخل في مباحثات مع كيم من دون أن يقرر في وقت مبكر نتيجته النهائية. قد يكون مستقبل التحالف بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة في الميزان.

ويتعين على الولايات المتحدة أن تستشير بكين بشأن ما يدور في خلدها والدور الذي هي على استعداد للقيام به. ربما تريد أن تكون الصين والولايات المتحدة ضامنتين مشتركتين للسلام والأمن في شبه الجزيرة الكورية. تلك الفكرة قد تكون جذابة لترامب، على الرغم من أن الشيء نفسه لا يمكن قوله عن حليفيه الآسيويين، كوريا الجنوبية واليابان.