تجديد طرق مواجهة الإخوان

من أخطر التنظيمات المعاصرة على الدول والمجتمعات اليوم تنظيم الإخوان، الذي اتخذ من الدين أيديولوجيا سياسية للإطاحة بالأنظمة والاستيلاء على الحكم، وعمل على تشكيل مفاهيم دينية وثقافية خاصة للسيطرة على العقول، واتخذ من الشعارات البراقة وسيلة دعائية لاستقطاب الجماهير، وانتهج البراغماتية طريقاً لتحقيق أهدافه، كما أحاط نفسه بتنظيم هرمي منغلق على نفسه ومحاط بالبيعة والطاعة والولاء والعمل السري.

ولقد تلقى الإخوان في السنوات الخمس الأخيرة ضربات موجعة، إلا أن المعركة لم تنته، فقد اتجه كثير منهم بعد سقوط مرسي إلى أماكن متعددة، سواء إلى قطر أو تركيا أو دول غربية، وعملوا على فتح جبهات مواجهة جديدة، بوابتها الرئيسية الإعلام المفتوح، حيث قاموا بتسخير وسائل الإعلام وأدوات التواصل الاجتماعي، وأطلقوا العديد من القنوات الفضائية والبرامج الموجهة التلفازية واليوتيوبية، محاولين دخول البيوت من منافذ الفضاء المفتوح.

ولا شك بأن ذلك يقتضي تجديد طرق مواجهة الإخوان بما يتماشى مع مستجدات الواقع، ووضع الرؤى الاستراتيجية القريبة والبعيدة لتجفيف منابع التنظيم واقتلاع جذوره، وذلك يتطلب أولاً وجود قناعة راسخة بإمكانية القضاء على الإخوان تنظيمياً وفكرياً.

وتجديد طرق مواجهة الإخوان له صور عدة، من أهمها تجديد الخطاب الديني والثقافي المعني بتفكيك البُنية المفاهيمية للتنظيم، فالخطاب الديني جزء أساسي من هذه البُنية، وإحدى أدوات التنظيم لاستقطاب العقول، وتفكيك هذا الخطاب يتطلب استراتيجيات مثلى عبر علاج عام وعلاج خاص على أيدي متخصصين في هذا المجال، ونعني بالعلاج العام تعزيز الخطاب الديني الوسطي المؤثر في المجتمعات، سواء الخطاب العلمي أو الوعظي، لأن حاجة المجتمعات إلى الدين حاجة ملحة، وإذا أُفرغ هذا الجانب فإن البدائل السلبية ستملأ الفراغ.

وقد أكدت دولة الإمارات في مناسبات عدة على أهمية تعزيز الخطاب الإسلامي الوسطي لمكافحة الإرهاب والتطرف، ومن ظن أن العلاج قد يكمن بإقصاء الخطاب الديني جملة وتفصيلاً والاكتفاء بلون آخر ثقافي أو فكري فإنه يقدم خدمة مجانية للإخوان على طبق من ذهب، وقديماً قيل: خلا لك الجو فبيضي واصفري، ونقري ما شئت أن تنقري!!

وأما العلاج الخاص فنعني به تفكيك المفاهيم الدينية الإخوانية على وجه الخصوص، وذلك يشمل بيان أوجه الخلل في هذه المفاهيم المغلوطة، كما يشمل بيان ما يضادها من المعاني الصحيحة التي انحرفت عنها، وذلك في مختلف الأبواب، وينبغي أن تكون معالجة هذه المفاهيم معالجة شرعية صحيحة، بالحجة المقنعة، والبيان المؤثر، مع استثمار كافة قنوات الاتصال الحديثة وطرق النشر لتحقيق أكبر مساحة من التأثير والانتشار، كما لا بد من مراعاة الفئات المستهدفة في الطرح، لتقديم خطاب مناسب لكل فئة، فهناك خطاب عام موجه للجمهور من باب التحذير والتوعية، وهناك خطاب رادع لمرتزقة التنظيم والمروجين لأفكاره، وهناك خطاب علاجي لاحتواء الشباب المغرر بهم.

كما أن البُنية المفاهيمية للإخوان لا تقتصر على الجانب الديني فقط، فهناك بالإضافة إلى ذلك بُنية مفاهيمية ثقافية للتنظيم، قد يغفل عنها كثيرون، تساعده على إنتاج خطاب مدني إخواني خدَّاع، وهو ما تعمل عليه وسائل الإعلام الإخوانية اليوم، ورسائل حسن البنا مملوءة بهذا النوع من الخطاب.

فقد وظَّف مصطلحات كثيرة تصب في هذا الجانب مثل (الإخاء الإنساني) و(الحرية الشخصية) و(حرية العقيدة) و(حرية التفكير) و(حرية الرأي) و(العدالة الاجتماعية) و(حقوق الإنسان) و(حقوق المرأة) و(الحقوق المدنية والسياسية) و(الشعوب مصدر السلطات) و(النظام الديمقراطي) و(سيادة القانون) إلخ، كما حاول البنا توظيف الفنون لصالح مشروعه، مثل السينما والتمثيل والمسرحيات والروايات والموسيقى والغناء.

وكانت فرق الموسيقى في مقدمة ركب الإخوان تجوب شوارع مصر وتستقبل حسن البنا، ومن يرصد فعاليات الإخوان في ميدان رابعة 2013 يجد أن الأغاني الموسيقية كانت إحدى فعاليات الإخوان للتأثير في الأتباع المتجمهرين وتحميسهم.

وتعتبر معرفة البنية الثقافية للإخوان عاملاً مهماً في تجديد طرق مواجهتهم، ووضع الاستراتيجيات المثلى واختيار الأدوية الصحيحة، وذلك يلقي الضوء على دور الخطاب الثقافي في هذا الباب، الذي يحتاج في الجملة إلى تجديد كبير، فكثير من الأدبيات المدنية التي تعارض الإخوان دينياً تلتقي معهم ثقافياً، وهو ما بدا واضحاً في مايسمى بـ«الربيع العربي»، حيث وقف الإخوانيون وبعض العلمانيين صفاً واحداً، تجمعهم الشعارات المدنية البراقة.

وسدُّ هذا الباب يتطلب وضع رؤى تجديدية في أبواب الحريات وحقوق الإنسان، بما يحفظ جوهر هذه الحقوق، ويسد الثغرات التي يستغلها الإخوان وغيرهم، ولا شك أن أحد أسباب تمدد الإخوان في الغرب وسيطرتهم على كثير من المنظمات الإسلامية وجود هذه الثغرات في منظومة الحريات والحقوق.

كما يشمل تجديد طرق مواجهة الإخوان تجديد المواجهة الإعلامية والقانونية وغيرها من الجوانب المهمة، التي تساهم في تجفيف منابع الإخوان، وتعزز الخطاب الوسطي، الذي ينشر الثقافة الإيجابية، ويصون أمن واستقرار الدول والمجتمعات.

 

 

تعليقات

تعليقات