إذا أردت لحراك مدني أن يتنامى سريعاً، فعليك بالفكاهة كاستراتيجية أفضل من الغضب. لقد كنت واحداً من مؤسسي حركة المقاومة الشعبية في صربيا، التي ساعدت عام 2000 على الإطاحة بحكم سلوبودان ميلوسوفيتش.
ومع تحدي الديمقراطية الذي تتربص به الشعبوية اليوم، ربما توجد بعض الدروس التي ينبغي التعلم منها. ففي بلغراد، بدأت تحركاتنا بمزحة، إذ استعملنا برميل نفط ورسمنا عليه صورة ميلوسوفيتش، ووضعناه وسط منطقة التسوق الأكبر في المدينة، وإلى جانبه كرة بيسبول. وقفنا جانباً بشكل غير ملحوظ، ولم تكد تمضي فترة بسيطة، حتى كان المتسوقون يقفون طوابير طويلة، يوجهون الضربات إلى البرميل، معربين عن مشاعرهم حيال رئيسهم.
من المؤكد أن إزاحة أوتوقراطي داعية للحرب، أمر يختلف تماماً عن الدفاع عن الديمقراطية في مناطق كان يفترض أن تكون مستحكمة فيها، لكنها تعرضت عوضاً عن ذلك للتهديد. وتقتضي المهمة، عند السعي لوضع حدّ لنظام ديكتاتوري ما، تقويض الأدوات والمؤسسات التي تخدم النظام ورجله القوي، بحيث يكون الهدف في الواقع، خلق اضطراب في الستاتيكو برمته.
أما الدفاع عن الديمقراطية، فيرادف إيجاد السبل للذود عن المؤسسات الديمقراطية ومبادئها بوجه الذين يريدون القضاء عليها، حتى لو كانوا مسؤولين تم انتخابهم. ويعني ذلك، خلق نفوذ يتصدى للحكومات أو القوى السياسية الساعية لتهديم أسس الديمقراطية، كالقضاء المستقل، والرؤية البرلمانية، وحقوق الأقلية، وحرية الصحافة.
ليس تناقضاً بسيطاً، أن تصبح أوروبا اليوم منطقة تحتاج فيها الديمقراطية إلى الحماية بأساليب جديدة حادة. ويشكل انحسار مدّ الديمقراطية بالطبع، مصدر قلق لبعض الدول، التي تعتبر منضمة حديثاً إلى بوتقة الاتحاد الأوروبي، كبولندا وهنغاريا، اللتين انضمتا عام 2004. لكن انتشار معاداة الليبرالية، يشكل مبعث قلق كذلك في عدد من الأنظمة الديمقراطية «التقليدية» المتأصلة.
ويحدث اليوم في أوروبا، استغلال للفراغ السياسي القائم بين النخب السياسية والناخبين المستائين من قبل الشعبويين، الذين يقدمون الغضب لا الأمل. لكن استدعاء المدّ الشعبوي سيتواصل، طالما أن المواطنين لا يتحفزون لاتخاذ خطوة ما.
يمكن للحركات الشعبية أن تكون بلا رأس مدبر، ويمكن أن تنبثق من خارج الهيكليات الحزبية، وتتجاوز الخطوط التقسيمية. ففي بولندا، بعد أن وصل حزب القانون والعدالة إلى الحكم عام 2015، نشأت حركة مدنية، تدعى لجنة الدفاع عن الديمقراطية، وقادت تيار المعارضة بأعضاء من داخل الصفين الحزبيين.
وشهدت رومانيا العام الماضي، جماهير غفيرة، افترشت شوارع البلاد مرات عديدة، ووصل عددها إلى حوالي نصف مليون شخص، عارضوا مخططات الحكومة التي تحمي المسؤولين الفاسدين من الملاحقة. تجاوزت الحركة حدود الطبقات الريفية والمثقفة، وعوّلت على مشاعر الغضب الشعبي واسعة الانتشار حيال الفساد. وتشهد رومانيا اليوم، العدد الأكبر من المسؤولين الذين يتعرضون للملاحقة، بسبب تهم الفساد في أوروبا. وقد أراد الناس الحفاظ على الزخم عينه، واضطرت الحكومة في مواجهة حدّة الاعتراضات، إلى مراجعة الخطط، والدفع باتجاه وضع التغييرات عبر مرسوم طوارئ.
الضحك سلاح فاعل، إذ حمل المتظاهرون في رومانيا مجسّمات كرتونية، تمثل قادة البلاد يرتدون ملابس مساجين مجرمين على شكل سترات قطنية مخططة بالأبيض والأسود. وهزأ الناس في ألمانيا من تظاهرة عادية، قام بها المتشددون اليمينيون، وأخذ المواطنون والشركات بوضع الرهانات والتبرع بمبلغ 10 يوروهات للمنظمات المناهضة للتشدد، مقابل كل متر واحد تسيره الحشود اليمينية. وخرج الناس في فنلندا بثياب مهرجين، يحملون أطواق البهلوانيين، تصدياً لمجموعة عنصريين من البيض، نظموا دوريات في الشوارع ضد المهاجرين. يمكن للفكاهة أن تشكل أداة قوة بوجه السلوكيات العبثية المحمّلة بالكراهية.
يحتاج الأوروبيون بغية التصدي للمدّ الشعبوي، لإعادة اختراع أحداث قصة الديمقراطية. أمران اثنان يبقيان الديمقراطية والحرية على قيد الحياة: المؤسسات القوية والمواطنون الناشطون. إنه طريق يسير باتجاهين: مؤسسات تعمل على خدمة المواطن، ومواطنون يدافعون بالمقابل عن المؤسسات الديمقراطية، ويحمونها من الإساءة والاستغلال.
خلاصة القول، إن الديمقراطية ببساطة، مسألة أكثر جديةً من أن تترك بيد السياسيين أو الأحزاب وحسب. الشعبويون، كما المتسلطون، يصبحون أكثر ضعفاً، حين يتحولون إلى موضع ازدراء.
ناشط سياسي صربي