هناك فقرة مثيرة للاهتمام في كتاب مايكل وولف «النار والغضب» بشأن تفكير دونالد ترامب المتعلق بالشرق الأوسط، فقد وصف المؤلف ذلك كما يلي: «هناك عوامل قوية في المنطقة قد تدفع بالفلسطينيين لإبرام اتفاق سلام مع إسرائيل».
وهذه العوامل تتماشى مع مبدأ ترامب الأوسع نطاقاً في السياسة الخارجية، والذي هو على النقيض مما فعله الرئيس السابق أوباما، يتمثل بتقليص القضية إلى ثلاثة عناصر، وهي القوى التي يمكننا التعاون معها، والقوى التي لا يمكننا التعاون معها، والأطراف العاجزة التي لا تملك القوة الكافية والتي يمكننا عملياً تجاهلها أو التضحية بها.
ولا يعرف أحد إلى أي مدى ستنجح خطة ترامب للسلام، التي وصفها بـ «صفقة القرن»، والتي افترضت السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هالي أخيراً أنها توشك على الاستكمال، في أن تتلاءم مع الملخص الصارخ الذي أورده وولف عن الرئيس الأميركي. غير أن الخطوتين الكبيرتين اللتين اتخذتهما واشنطن حتى الآن تبدوان متناسقتين بشكل كبير مع رأي البيت الأبيض بأنه بالإمكان عملياً استبعاد الفلسطينيين أو التضحية بهم.
وتمثلت الخطوة الأولى بقرار ترامب بنقض الإجماع الدولي من خلال الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. وتمثل الخطوة الثانية، التي يحتمل أن تزعزع الاستقرار، باقتطاع 300 مليون دولار من المنحة الأميركية البالغة 360 مليون دولار لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، والتي توفر التعليم والرعاية الصحية الأساسية وخدمات أخرى لأكثر من 700 ألف لاجئ فلسطيني أجبروا على مغادرة أراضيهم في حرب عام 1948، والتي مهدت لإنشاء إسرائيل، ولم يسمح لهم بالعودة على الإطلاق.

ووصف الأموال المصادرة بأنها مهام لا مناص منها وهذا يعتبر استهانة مثيرة للسخف، وعلى فرض أن النقص في المساعدات لم يتم تعويضه، ولا يوجد أي دليل قوي أنه قابل للتعويض، فإن نحو مليون فلسطيني سيحرمون من المساعدات الغذائية في غزة نهاية الشهر المقبل، في الوقت الذي تبدو فيه الأزمات الإنسانية والاقتصادية في القطاع فظيعة جداً، لدرجة أن شخصيات كبيرة في الجيش الإسرائيلي حذرت مراراً وتكراراً بأنها ستزيد المخاطر المتفاقمة حالياً بنشوب حرب جديدة.
وفي سوريا، فإن المساعدات الطارئة للاجئين، بما فيها المساعدات النقدية، يرجح نفادها في وقت مبكر عقب ذلك. وهناك احتمال قوي بأن مدارس وكالة الغوث البالغ عددها 700 مدرسة لن تفتح أبوابها في العام الدراسي الجديد في سبتمبر المقبل.
وفي قطاع غزة، فإن ذلك سيضيف 10 آلاف مدرّس إلى السجل الحالي المرتفع بصورة قياسية لإجمالي العاطلين عن العمل. وسيترك نحو 270 ألف طفل دون تعليم، والتعليم ربما هو المزية الوحيدة التي توفر أي شعور بالمستقبل لدى شعب القطاع المسجون.
ويقوم بيير كراهنبول المفوض العام لوكالة الأونروا حالياً بجولة عالمية لحشد منح بديلة للوكالة، علاوة على أن مناشدته التي أطلقها بتوفير 500 مليون دولار رداً على قرار ترامب بقطع المساعدات عن وكالته، لم يستطع أن يجمع منها سوى 1.1 مليون دولار بالضبط. وحتى الآن لم تعرض أي حكومة غربية مساعدات مالية جديدة لردم فجوة المساعدات، رداً على القرار الأميركي.
ومهما كانت مبررات واشنطن في قطع المساعدات، فلا يمكن أن يكون السبب قلة إنجازات الوكالة، إذ تثير دراسة للبنك الدولي أجريت في عام 2014، إلى أن طلبة مدارس وكالة الغوث متقدمين عاماً كاملاً عن زملائهم في مدارس السلطة الفلسطينية والحكومة الأردنية.
كما أن منظمة الصحة العالمية تعتبر أن برنامج التطعيم الصحي للوكالة هو فوق المتوسط بالنسبة للدول متوسطة الدخل، وبعض الإنجازات التي حققتها الوكالة تعتبر بطولية، وخاصة في سوريا حيث إن موظفيها البالغ عددهم 45 شخصاً، إما ميتين أو مفقودين بعد أن تمكنوا من إبقاء المدارس والعيادات الصحية مفتوحة حتى في أسوأ أيام الحرب. والمشكلة أن بعض السياسيين في إسرائيل والولايات المتحدة يبغضون بشدة وكالة غوث اللاجئين لأنها حسب وصفهم تديم سرد قصة لاجئي عام 1948 من الفلسطينيين وتبقي قضيتهم عالقة.
كاتب في «إندبندنت»