تأمّل في العام السابع لـ «الربيع العربي»

لا أدري هل نسعد أم نجهش بالبكاء في الذكرى السابعة لما اصطلح على تسميته «الربيع العربي» التي حلت هذه الأيام ؟ إذ المؤكد أن إطاحة زين العابدين بن علي من السلطة وتنحي حسني مبارك وقتل معمر القذافي ورحيل علي عبد الله صالح وتدمير سوريا وتهجير شعبها ومحاولات فرض التقسيم عليها، لم تكن هي أهداف الشعوب التي خرجت إلى الميادين العربية تطالب بالخبز والحرية والكرامة الإنسانية.

كان المفكر الراحل صادق جلال العظم يعتبر أن أهم إنجازات الربيع في الدول التي اندلع بها، هي عودة الناس للسياسة وعودة السياسة إلى الناس، ولعله كان يقصد وطنه سوريا في المقام الأول وهو يفسر أن احتكار النخب العسكرية الحاكمة، وأنصارها من التحالف الطبقي الأمني والتجاري للمجال السياسي بهدف إبقاء كل شئ على حاله، وتحطيم قوى المجتمع الحية، وهز قدرتها على القيام بأي فعل إيجابي داخل المجتمع وخارجه لتغييره نحو الأفضل، وهو الذي حال بين الناس وبين السياسة.

لكن السؤال الذي ربما لم يمهل القدر الدكتور العظم الإجابة عنه، هو ما الذي فعله الناس بالسياسة التي عادت إليهم ؟ ألم يتفاخر بعض ثوار الميادين بتحطيم المنشآت العامة والخاصة ونهبها، وقطع الطرق وتعطيل المواصلات، وإشاعة الفوضى في كل مكان، وافتعال الصدام الدائم مع القوى الأمنية، حتى تمكنت قوى تيار الإسلام السياسي، وفي القلب منها جماعة الإخوان من قطف ثمار هذا الربيع، وإحكام السيطرة على المسارات السياسية في بلدانه، بدعم من إدارة الرئيس الأميركي السابق «أوباما». بزعم استخدام «الجماعة» كتيار إسلامي تصفه الإدارة الأميركية والدوائر الغربية بالاعتدال، في مكافحة الجماعات الدينية المتطرفة التي تمارس الإرهاب !.

لكن النتائج الكارثية التي أسفرت عن استيلاء تيار الإسلام السياسي بقيادة جماعة الإخوان وأنصارها من التيارات المتشددة والتكفيرية على دول الربيع، وهيمنتهم عليها كانت أكثر من أن تحصى.

ففي مصر وتونس تمكنت جماعة الإخوان، من استقطاب قطاعات واسعة من المتدينين الشعبيين الذين يقتصرون في تدينهم على تأدية الشعائر، بزعم أنها لا أطماع لها ولأنها ببساطة تنطق باسم الله فزادت الأجواء الاجتماعية المحافظة في كلا البلدين.

فضلا عن الدعم الذي حازته من قبل مجموعات متنوعة من النخب السياسية الباحثة عن دور والتي مهدت الطريق بلعبها على كل الحبال وقدرتها على تبرير الشئ ونقيضه، إلى هيمنة هؤلاء على السلطة باستخدام الأدوات الديمقراطية التي تسترت جماعة الإخوان خلفها للتحكم في مسار انتفاضات دول الربيع، ثم سرعان ما عادت لجوهرها الحقيقي المعادي لكل أشكال الحريات الديمقراطية، حينما وصلت إلى سدة الحكم !.

ضاعف حكم جماعة الإخوان من حدة الصراع المذهبي في المنطقة بين السنة والشيعة، وحدة الصراع الطائفي بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى، وما يجري من فقدان للاستقرار في كل من العراق ولبنان وليبيا غير بعيد عن ذلك.

وأصبح الدين في المنطقة بعد سبع سنوات من "ربيعها"، صراعاً بين إسلام «ولاية الفقيه»«وإسلام» القرآن دستورنا «و» الإسلام هو الحل «وبين من يرون أن حاكمية شرع الله عز وجل لا تتحقق سوى بالتكفير والتفجير والقتل والحرق والنحر وهدم التماثيل التراثية وسبي النساء وحظر الفنون وحرق الكتب ومعاداة كل ما يتصل بالعقل وبالحرية الفكرية وبحقوق الإنسان.

وفي وسط هذه الصراعات الدامية لم يعد هناك مكان لسلطة الدولة، ولا سلاحها الشرعي المتمثل في قواها الأمنية وجيشها النظامي، بعد أن صار السلاح مشاعاً في كل مكان، وبعد أن تناسلت جماعة الإخوان إلى القاعدة وطالبان وجبهة النصرة وأحرار الشام وحسم وجيش الإسلام ولواء الفتح وجيش المجاهدين وأنصار بيت المقدس وداعش وأخواتها وغيرهم من الحركات التكفيرية.

في تونس مع توغل حزب النهضة في مفاصل الدولة، حضرت الاغتيالات السياسية محل الحوار وفتحت المعسكرات لتدريب المجاهدين وإرسالهم إلى سوريا وليبيا، وتصاعدت محاولات تغيير الهوية الحداثية للتونسيين بالعنف والقمع والمصادرة، فضلا عن التعثر الاقتصادي وهشاشة الإئتلافات الحاكمة، بفعل سعي النهضة للعودة للهيمنة إن بالتحايل أو بالعنف !.

وحده الشعب المصري أدرك بالوعي الذي اكتسبه من انتفاضة يناير وما تلاها، وبانتزاع حقه في عودة السياسة إليه ـ كما قال العظم ـ إنه لا يقبل بحكم ديني يفرض عليه المفاضلة بين الدولة واللادولة، فكانت ثورته في 30 يونيو هي البرهان الوحيد على أنه» ربيع عربي ) وليس خريفاً كارثياً.

 

.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات