كأس العالم 2018

مقال

الزلزال قادم.. وإيران ليست هدفه الوحيد

أياً كانت النتيجة التي ستذهب إليها أحداث إيران، فإن الحقيقة الأساسية هي أن الجرح قد انفتح ولن يلتئم بسهولة أو بسرعة. وأن الأيام الدامية التي تشهدها إيران ليست إلا البداية لتغييرات كبيرة لن تقتصر على الدولة الإيرانية وامتداداتها، بل ستمتد لقوى أخرى في المنطقة تعيش نفس ظروف إيران.. وإن اختلفت التفاصيل.

أصبح معروفاً أن ما حرك الشعب الإيراني الآن يختلف عما حركه قبل ذلك، وخصوصا في أحداث 2009 التي كانت صراعاً بين أجنحة الحكم تم حسمها بسرعة لصالح القوى المحافظة، ومع تأكيد السلطة الشاملة لمرشد إيران صاحب القرار في كل شيء.

الآن يتحرك الشباب الإيراني بعد أن ضاقت به السبل يبحث عن لقمة عيش وفرصة عمل، ويبحث عن حرية ضائعة وعدالة مسلوبة، ويطلب إيقاف فساد لم يعد يحتمل وإسقاط فاشية لم يعد لها مكان في هذا العصر.. ويصرخ مطالباً بأن يتوقف هوس التوسع ومد النفوذ خارج البلاد الذي يستنزف قوى الدولة، ويضيع ثروات الشعب في التآمر على شعوب جارة كان يمكن لإيران أن تبني معها أفضل العلاقات لو أحسنت حكوماتها التصرف، ولم تترك تحالف الملالي والحرس الثوري يدخل في مغامرات التوسع والتآمر وبث الفتنة في الوطن العربي.

انفتح كتاب الثورة في إيران، ورغم ثرثرات «ترامب» على «تويتر» التي استغلها النظام في الحديث عن «مؤامرات خارجية» فإن الكل ـ بمن فيهم النظام الإيراني نفسه ـ يدرك أن التحرك محلي بحت، وأنه كان تعبيراً حقيقياً عن مشاعر أجيال نشأت تحت حكم الملالي، ولم تعد تستطيع تحمل القهر والفساد والفقر وفقدان الأمل، ولم تعد تقبل أن تدفع أعمارها لخدمة أيديولوجية فاسدة لنظام فاشي يتصور أنه قد بعث لتعميم تجربته وتصديرها للعالم العربي والإسلامي ومعها كل مرفقاتها من فقر واستبداد وفقدان للعدل والحرية.

وتبدو المعضلة في إيران في أن ثورة الأجيال الجديدة لن تنتهي إلا بتغيير حقيقي وشامل يعيد العدل ويتعامل مع مشاكل الفقر والبطالة، ويفتح أبواب الحرية، ويضع إمكانيات الدولة لخدمة شعبها بدلا من أن يكون في خدمة أوهام الملالي في حكم المنطقة والسيطرة عليها!!

هذه المطالب ستبقى هدفاً للملايين من مواطني إيران، ومعها تبقى التجربة التي تكشف عنها الأحداث الأخيرة، وهي أن شعب إيران قد كشف لعبة تقسيم الأدوار بين النخبة الحاكمة، ولم يعد يراهن على جناح «إصلاحي» أو تغيير شامل من داخل نظام لا يتضمن قاموسه كلمة «التغيير» ولا يتصور «الإصلاح» إلا في الخضوع لتعليمات «الملالي» وأطماع الحرس الثوري.

ومن هنا تواجه إيران مشكلتها الكبرى حين تصبح إزاحة «النظام» بأكمله شرط الانتصار وإرادة الشعب وانفتاح أبواب الحرية والعمل والانعتاق من أسر فاشية تحكم منذ أربعين سنة، وتنشر الدمار والفتنة في المنطقة، وتقدم لأعداء الأمة أفضل الخدمات على حساب شعبها وشعوب بلاد ساهمت في تخريبها وحاربت من أجل دمارها بنفس القدر الذي ساهمته فرق الإخوان والدواعش.. باعتبارها الوجه الآخر للفاشية حين ترفع ـ زوراً وبهتاناً ـ راية الدين الحنيف.

المعضلة في إيران.. أننا أمام شعب ملت أغلبيته من فاشية تحكم بعقلية العصور الوسطى، وتتوهم قدرتها على حكم المنطقة وتحدي العالم، وتتبع سياسات داخلية وخارجية لا تنتج إلا الفساد والفقر والبطالة وغياب العدل وضياع الحرية.

ومهما حدث فلن يتخلى شعب «أكثر من نصفه ولد وعاش عمره تحت حكم الملالي» عن أحلامه في الحرية والعدل والتقدم، بينما السلطة لن تتخلى طواعية عن حقها «الذي تعتبره حقاً إلهياً» في الاستئثار بالحكم والسلطة والثروة، وتؤمن أن أي خطوة على طريق إصلاح حقيقي ستفتح الباب لنهايتها، وأن أي تنازل سوف تتلوه حتماً تنازلات تدفع النظام نحو السقوط، لم يعد هناك إلا المواجهة وإن طالت، وإلا انتظار الزلزال السياسي الذي يرجو الجميع ألا تصحبه الفوضى وأن يحكمه العقل الذي يعيد لإيران توازنها ويطلق لدى شعبها كل قوى الخير والإبداع التي تميز بها.

ولا يبدو الأمر مقتصراً على إيران، ولكنه يبدو وكأنه بداية النهاية لمرحلة كاملة انطلقت فيها قوى إقليمية في سباق وراء أوهام لمد النفوذ في المنطقة، تخبئ أطماعها التوسعية وراء شعارات دينية زائفة، وتتعاون كلها مع عصابات الشر الإخوانية ـ الداعشية في جر المنطقة إلى جحيم الصراعات الدينية.. ظنا منها بأنه طريقها لإقامة سلطتها أو توسيع نفوذها على الأرض العربية التي تم إغراقها في مستنقع الفوضى الهدامة وحروب الطوائف.

والأسوأ من هذا ما يفعله الكيان الصهيوني الذي يظن أن هذه فرصته لتحقيق دولته الكبرى وابتلاع كل الأراضي الفلسطينية وفرض الأمر الواقع على العالم العربي والعالم كله، منتهزاً فرصة سيطرة اليمين الصهيوني على البيت الأبيض، ومعتبراً قرار ترامب حول القدس تصريحاً بتصفية قضية فلسطين.. دون إدراك بأن ما يحدث ينهي بالفعل حل الدولتين، ويضع إسرائيل في قلب الأزمة مع دولة واحدة تنهي الأسطورة التي تعيش عليها، ويفتح الباب لتحويل الصراع من قضية تحرر وطني إلى حروب دينية لن يتحمل العالم تكلفتها، ولن يتسامح مع من يشعلونها!

وقد يطول الأمر بعض الشيء حتى يقع الزلزال.. لكنه قادم يحمل معه نهاية مشروعات التوسع العنصري، والحكم الفاشي، وأوهام أساطير دينية تريد أن تعيد المنطقة لظلام العصور الوسطى، وأن تحيل العالم العربي إلى مناطق نفوذ أو ساحات حروب بالوكالة.

الزلزال قادم.. وعلينا أن نستعد لمواجهة تحدياته وتوابعه، وأن نكون جاهزين للبناء ولإعادة الأمور لطبيعتها في المنطقة، بعد أن ينتهي زمن استباحة الأرض العربية وبعد أن تتساقط قوى العنصرية والفاشية من حولنا.

 

 

تعليقات

تعليقات